الفصل الثالث
طرف من معيشته - صلى الله عليه وسلم -
1 -باب قوله - صلى الله عليه وسلم: مالي وللدنيا
287.عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فَقَالَ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» الترمذي [1] .
288.عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا» ،فَقَالَ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا» فَأَتَاهَا عَلِيٌّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: لِيَامُرْنِي فِيهِ بِمَا شَاءَ، قَالَ: «تُرْسِلُ بِهِ إِلَى فُلاَنٍ، أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَةٌ» البخاري [2]
(1) المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (18/ 332) وسنن الترمذي ت شاكر (4/ 588) (2377) صحيح
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ عَلَى حَصِيرٍ، فَقَامَ) أَيْ: عَنِ النَّوْمِ (وَقَدْ أَثَّرَ) أَيْ: أَثَّرَ الْحَصِيرُ (فِي جَسَدِهِ) أَيْ: غَايَةَ التَّاثِيرِ (فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَبْسُطَ) : بِضَمِّ السِّينِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ"لَوْ"لِلتَّمَنِّي، وَأَنْ تَكُونَ لِلشَّرْطِيَّةِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَوْ أَذِنْتَ لَنَا أَنْ نَبْسُطَ لَكَ): فِرَاشًا لَيِّنًا (وَنَعْمَلَ) أَيْ: لَكَ ثَوْبًا حَسَنًا. أَيْ: لَكَانَ أَحْسَنَ مِنِ اضْطِجَاعِكَ عَلَى هَذَا الْحَصِيرِ الْخَشِنِ، (فَقَالَ:"مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا") :"مَا"نَافِيَةٌ أَيْ: لَيْسَ لِي أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ مَعَ الدُّنْيَا وَلَا لِلدُّنْيَا أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ مَعِي حَتَّى أَرْغَبَ إِلَيْهَا، وَأَنْبَسِطَ عَلَيْهَا، وَأَجْمَعَ مَا فِيهَا وَلَذَّتَهَا أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ: أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ لِي مَعَ الدُّنْيَا أَوْ أَيُّ شَيْءٍ لِي مَعَ الْمَيْلِ إِلَى الدُّنْيَا أَوْ مَيْلِهَا إِلَيَّ، فَإِنِّي طَالِبُ الْآخِرَةِ وَهِيَ ضَرَّتُهَا الْمُضَادَّةُ لَهَا. هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَوْلُهُ: وَنَعْمَلَ مُتَعَلِّقَةٌ مَحْذُوفٍ، فَيُقَدَّرُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ السَّابِقِ، وَهُوَ وُجُودُ التَّنَعُّمِ وَالتَّلَذُّذِ بِالْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِسَاطًا، وَمِنْ ثَمَّ طَابَقَهُ قَوْلُهُ:"مَا لِي وَلِلدُّنْيَا"أَيْ: لَيْسَ حَالِي مَعَ الدُّنْيَا. ("إِلَّا كَرَاكِبٍ") أَيْ: إِلَّا كَحَالِ رَاكِبٍ ("اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا") : وَهُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، وَهُوَ التَّشْبِيهُ بِسُرْعَةِ الرَّحِيلِ: وَقِلَّةِ الْمُكْثِ، وَمِنْ ثَمَّ خَصَّ الرَّاكِبَ وَاللَّامُ فِي لَلدُّنْيَا مُقْحَمَةٌ لِلتَّاكِيدِ إِنْ كَانَ الْوَاوُ بِمَعْنَى"مَعَ"وَإِنْ كَانَ لِلْعَطْفِ، فَالتَّقْدِيرُ مَا لِي مَعَ الدُّنْيَا وَمَا الدُّنْيَا مَعِي. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3247)
(2) شرح تهذيب صحيح البخاري (1 - 10) (5/ 76) 61. *- (بخاري:2613) [ش (موشيا) منقوشا ومخططا بألوان شتى. (ما لي وللدنيا) ليس لي حاجة بزخرف الدنيا]
وفعل ذلك - عليه السلام - كان يرغب ألا يكون لفاطمة في الدنيا نصيب غير أخذ البلغة؛ ليعظم أجرها في الآخرة، وقد سألته خادمًا فقال:"أدلك علي خير من ذلك: تسبحين وتحمدين وتكبرين"، وسارها بمحضر عائشة فبكت ثم سارها فضحكت، فقالت عائشة: ما رأيت ضحكًا أقرب من بكاء منذ اليوم، فسألتها عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشي سرَّه.
فلما توفي فسرته لها -لما أقسمت عليها- أنه يموت من وجعه ذلك فبكيت، وأني أول أهله لحوقًا به فضحكت، وأخبرني أني سيدة أهل الجنة.
وأمرها أن تعطي الستر ليكون لها ثواب ذلك وله نصيب منه؛ لشفاعته الحسنة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم:"لو أنفق أحدكم ملء أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". قاله لخالد في بعض (3) السابقين الأولين، فإذا كان هذا حال أمته فكيف بمقامه الرفيع، قال علي: سبق النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلى أبو بكر وثلث عمر. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (16/ 385)
وَفِيه كره النَّبِي، - صلى الله عليه وسلم -، الْحَرِير لفاطمة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لِأَنَّهَا مِمَّن يرغب لَهَا فِي الْآخِرَة وَلَا يرضى لَهَا بتعجيل طيباتها فِي حَيَاتهَا الدُّنْيَا وَأَن النَّهْي عَنهُ إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الْإِسْرَاف قَالَ الْكرْمَانِي وَأَقُول لِأَن فِيهَا صورًا ونقوشًا وَالله أعلم. وَفِيه كَرَاهِيَة دُخُول الْبَيْت الَّذِي فِيهِ مَا يكره وروى ابْن حببان من حَدِيث سفينة قَالَ لم يكن رَسُول الله، - صلى الله عليه وسلم - يدْخل بَيْتا مزوقًا. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (13/ 167)