رَسُولَ اللَّهِ سَيَدْبُرُ أَمْرَنَا - يَقُولُ: يَكُونُ آخِرَنَا - وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْقَى فِيكُمْ كِتَابَهُ الَّذِي بِهِ هَدَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَإِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ هَدَاكُمُ اللَّهُ لِمَا كَانَ هَدَاهُ لَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ أَمْرَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ ; صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ. فَبَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ بَيْعَةَ الْعَامَّةِ بَعْدَ بَيْعَةِ السَّقِيفَةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَاتُ فَقَوِّمُونِي، الصِّدْقُ أَمَانَةٌ وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضَّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقَّهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْقَوِيُّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا يَدْعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ، أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ. ابن هشام [1]
2054. وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا كَتَبَ فِي عَهْدِهِ: اسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا مَا عَدَلَ فِيكُمْ , قَالَ , فَلَمَّا اسْتَعْمَلَ حُذَيْفَةَ كَتَبَ فِي عَهْدِهِ أَنِ اسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا وَأَعْطَوْهُ مَا سَأَلَكُمْ قَالَ: فَقَدِمَ حُذَيْفَةُ الْمَدَائِنَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ بِيَدِهِ رَغِيفُ عِرْقٍ , قَالَ وَكِيعٌ: قَالَ مَالِكٌ عَنْ طَلْحَةَ: سَادِلَ رِجْلَيْهِ مِنْ جَانِبٍ , قَالَ سَلَامٌ: فَلَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِمْ عَهْدَهُ قَالُوا"سَلْنَا , قَالَ: أَسْأَلُكُمْ طَعَامًا آكُلُهُ وَعَلَفًا لِحِمَارِي هَذَا , قَالَ: فَأَقَامَ فِيهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ , ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ أَقْدِمْ , فَخَرَجَ فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ قُدُومُهُ كَمَنَ لَهُ فِي مَكَانٍ حَيْثُ يَرَاهُ , فَلَمَّا رَآهُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ عَلَيْهَا أَتَاهُ عُمَرُ فَالْتَزَمَهُ وَقَالَ: أَنْتَ أَخِي وَأَنَا أَخُوكَ"ابن أبي شيبة [2]
(1) البداية والنهاية ط هجر (8/ 89) و (9/ 413) وسيرة ابن هشام ت السقا (2/ 660) وتاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (3/ 210) قال ابن كثير: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، فَقَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَلِيتُكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ. مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ، فَإِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ وَخَيْرُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وقول أبي بكر رضي الله عنه:"أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ"يدل على أصل عظيم من أصول السياسة الشرعية في الإسلام، وهو أن الأمراء يطاعون بالمعروف، ولا يطاعون في معصية الله، وأوامرهم المخالفة لشرع الله يجب إبطالها وإلغائها، ولا يجوز تنفيذها، وبهذا لن يستطيع الإمام أو غيره من الأمراء أن يلزموا الأمة بطاعتهم في معصية الله إذا تمسكت الأمة بهذا الأصل العظيم، وهو الامتناع عن طاعة الأمراء في معصية الله، ويجب على من أمر بالمعصية من الولاة الرجوع عما أمر به، ورد الشيء المتنازع فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -،وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} [النساء:59] المهذب في فقه السياسة الشرعية (ص: 511)
(2) (مصنف ابن أبي شيبة(6/ 544) (33716) فيه انقطاع)