فهرس الكتاب

الصفحة 1363 من 2832

1577. عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ. يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» أبو داود [1]

(1) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 592) 2751 - (صحيح)

قال الخطابي: قوله:"تتكافأ دماؤهم"معناه: أن أحرار المسلمين دماؤهم متكافئة في وجوب القصاص والقود لبعضهم من بعض، لا يفضّل منهم شريف على وضيع. فإذا كان المقتول وضيعًا وجب القصاص على قاتله. وإن كان شريفا لم يُسقِط القَوَدَ عنه شرفُه، وإن كان القتيل شريفا لم يُقتص له إلا من قاتله حَسْبُ.

وكان أهل الجاهلية لا يرضَون في دم الرجل الشريف بالاستقادة من قاتله، ولا يرونه بواء به، حتى يقتصوا من عدة من قبيلة القاتل، فأبطل الإسلام حكم الجاهلية وجعل المسلمين على التكافؤ في دمائهم، وإن كان بينهم تفاضل وتفاوت في معنى آخر.

وقوله:"يسعى بذمتهم أدناهم"يريد أن العبد ومن كان في معناه من الطبقة الدنيا كالنساء والضعفاء الذين لا جهاد عليهم إذا أجاروا كافرًا أُمضي جوارهم ولم تُخْفَر ذمتُهم.

وقوله:"ويجير عليهم أقصاهم"معناه: أن بعض المسلمين، وإن كان قاصي الدار، إذا عقد للكافر عقدًا لم يكن لأحد منهم أن ينقضه، وإن كان أقرب دارًا من المعقود له. قلت (القائل الخطابي) : وهذا إذا كان العقد والذمة منه لبعض الكفار دون عامتهم. فإنه لا يجوز له عقد الأمان لجماعتهم، وإنما الأمر في بذل الأمان وعقد الذمة للكافة منهم إلى الإمام على سبيل الاجتهاد، وتحري المصلحة فيه، دون غيره.

ولو جعل لأفناء الناس ولآحادهم أن يعقدوا لعامة الكفار كلما شاؤوا، صار ذلك ذريعةً إلى إبطال الجهاد، وذلك غير جائز.

وقوله:"وهم يدٌ على مَن سِواهم"فإن معنى اليد المعاونة والمظاهرة: إذا استُنفِروا وجب عليهم النفير، وإذا استُنجِدوا أنجدوا، ولم يتخلفوا، ولم يتخاذلوا.

و"المُشِدُّ"المقوي، و"المضعف"من كانت دوابه ضعافًا.

قلنا: وقال ابن الأثير: المُشِدُّ: الذي دوابه شديدة قوية، والمضعف الذي دوابُّه ضعيفة، يريد أن القوي من الغزاة يُساهم الضعيف فيما يكسبه من الغنيمة.

قال الخطابي: وجاء في بعض الحديث:"المضعف أمير الرُّفقة"يريد أن الناس يسيرون بسير الضعيف لا يتقدمونه، فيتخلف عنهم، ويبقى بمضْيَعة.

و"المتسري"هو الذي يخرج في السرية، ومعناه: أن يخرج الجيش فيُنيخوا بقرب دار العدو، ثم ينفصل منهم سرية، فيغنموا، فإنهم يردون ما غنموه على الذين هم ردءٌ لهم، لا ينفردون به، فأما إذا كان خروج السرية من البلد، فإنهم لا يردون على المقيمين في أوطانهم شيئًا.

وقوله:"لا يقتل مؤمن بكافر"فإنه قد دخل فيه كل كافر، له عهد وذمة، أو لا عهد له ولا ذمة.

وقوله:"ولا ذو عهد في عهده"، فإن العهد للكفار على ضربين:

أحدهما: عهد متأبِّد، كمن حُقن دمه للجزية.

والآخر: من كان له عهد إلى مدة، فإذا انقضت تلك المُدة عاد مباح الدم، كما كان.

وقد تأوله مَن ذهب من الفقهاء إلى أن المسلم يقتل بالذمي، على أن قوله:"ولا ذو عهد في عهده"معطوف على قوله:. لا يقتل مؤمن بكافر"ويقع في الكلام على مذهبه تقديم وتأخير، فيصير كأنه قال: لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد في عهده بكافر، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي. وقال الشافعي: لا يقتل مسلم بوجه من الوجوه بأحد من الكفار، على ظاهر الحديث وعمومه. قال: وقوله:"لا يقتل مسلم بكافر" كلام تام بنفسه، ثم قال على أثره:"ولا ذو عهد في عهده"أي: لا يقتل معاهَدٌ ما دام في عهده. قال: وإنما احتيج إلى أن يجري ذكر المعاهَد، ويؤكد تحريم دمه هاهنا. لأن قوله:"لا يقتل مؤمن بكافر"قد يوهم ضعفًا وتوهينًا لشأنه، ويوقع شبهة في دمه، فلا يؤمن أن يُستباح، إذا علم أن لا قود على قاتله. فوكّد تحريمه بإعادة البيان، لئلا يَعرِض الأشكال في ذلك."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت