فَأَكَلُوا حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَتُهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا، وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِهِ"أبو داود [1] "
126.وعَنِ أنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَهْدَى بَعْضُ نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ قَصْعَةً فِيهَا ثَرِيدٌ وَهُوَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ , فَضَرَبَتِ الْقَصْعَةَ فَوَقَعَتْ , فَانْكَسَرَتْ , فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَاخُذُ الثَّرِيدَ وَيَرُدُّهُ فِي الْقَصْعَةِ وَيَقُولُ «كُلُوا , غَارَتْ أُمُّكُمْ» . ثُمَّ انْتَظَرَ حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَةٌ صَحِيحَةٌ فَأَخَذَهَا فَأَعْطَاهَا صَاحِبَةَ الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ"اعتلال القلوب [2] "
127.عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا تَعْنِي أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ لَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءَتْ عَائِشَةُ مُؤْتَزِرَةً بِكِسَاءٍ وَمَعَهَا فِهْرٌ، فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ فِلْقَتَيِ الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ: «كُلُوا غَارَتْ أُمُّكُمْ» مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحْفَةَ عَائِشَةَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ لِعَائِشَةَ"النسائي [3] "
128.وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ صَانِعَةَ طَعَامٍ مِثْلَ صَفِيَّةَ أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَاءً فِيهِ طَعَامٌ فَمَا مَلَكَتْ نَفْسِي أَنْ كَسَرْتَهُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - عَنْ كَفَّارَتِهِ فَقَالَ:"إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ كَطَعَامٍ"عشرة النساء [4]
129.عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ، قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا رَأَيْتُ صَانِعًا طَعَامًا مِثْلَ صَفِيَّةَ، صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - طَعَامًا فَبَعَثَتْ بِهِ، فَأَخَذَنِي أَفْكَلٌ، فَكَسَرْتُ الْإِنَاءَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْتُ؟ قَالَ: «إِنَاءٌ مِثْلُ إِنَاءٍ وَطَعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ» أبو داود [5]
(1) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 807) 3567 - أخرجه البخاري (2481) ، و (5225)
قال المنذري في"مختصر السنن": والتي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيتها عائشة، والتي أرسلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - الصحفة هي زينب بنت جحش، وقيل: غيرها، والله أعلم.
(2) اعتلال القلوب للخرائطي (2/ 358) (740) صحيح
(3) السنن الكبرى للنسائي (8/ 156) (8854) صحيح
(4) عشرة النساء للإمام للنسائي - الطبعة الثالثة (ص: 31) (17 - 7673 صحيح
قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ: وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُؤَدِّبْ الْكَاسِرَة وَلَوْ بِالْكَلَامِ لِمَا وَقَعَ مِنْهَا مِنْ التَّعَدِّي لِمَا فَهِمَ مِنْ أَنَّ الَّتِي أَهْدَتْ أَرَادَتْ بِذَلِكَ أَذَى الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا وَالْمُظَاهَرَة عَلَيْهَا فَاقْتَصَرَ عَلَى تَغْرِيمِهَا لِلْقَصْعَةِ، قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُغَرِّمْهَا الطَّعَام لِأَنَّهُ كَانَ مُهْدًى فَإِتْلَافهمْ لَهُ قَبُول أَوْ فِي حُكْم الْقَبُول، وَغَفَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّا وَرَدَ فِي الطُّرُقِ الْأُخْرَى وَاللَّهُ الْمُسْتَعَان.
(5) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 807) 3568 - (حسن)
قال الخطابي:"الأفكَل": الرِّعدة من برد أو خوف، والمراد ها أنها لما رأت حسن الطعام غارت وأخذتها مثل الرعدة.
قَالَ ابْن التِّين: احْتج بِهَذَا الحَدِيث من قَالَ: يقْضِي فِي الْعرُوض بالأمثال، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَرِوَايَة عَن مَالك، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: كل مَا صنع الآدميون غرم مثله كَالثَّوْبِ وَبِنَاء الْحَائِط وَنَحْو ذَلِك، وَلَك مَا كَانَ من صنع الله عز وَجل مثل العَبْد وَالدَّابَّة فَفِيهِ الْقيمَة، وَالْمَشْهُور من مذْهبه أَن كل مَا كَانَ لَيْسَ بمكيل وَلَا مَوْزُون فَفِيهِ الْقيمَة، وَمَا كَانَ مَكِيلًا أَو مَوْزُونا، فَيقْضى بِمثلِهِ يَوْم استهلاكه. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فَإِن قيل: الصحفة من ذَوَات الْقيم، فَكيف غرمها؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الظَّاهِر مَا يحويه بَيته، - صلى الله عليه وسلم -، أَنه ملكه فَنقل من ملكه إِلَى ملكه لَا على وَجه الغرامة بِالْقيمَةِ. الثَّانِي: أَن أَخذ الْقَصعَة من بَيت الكاسرة عُقُوبَة، والعقوبة بالأموال مَشْرُوعَة، وَلما اسْتدلَّ ابْن حزم بِحَدِيث الْقَصعَة، قَالَ: هَذَا قَضَاء بِالْمثلِ لَا بِالدَّرَاهِمِ. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن مَسْعُود أَنَّهُمَا قضيا فِيمَن اسْتهْلك فصلانًا بفصلان مثلهَا، وَشبهه دَاوُد بجزاء الصَّيْد فِي العَبْد العَبْد، وَفِي العصفور العصفور. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَن اسْتهْلك عرُوضا أَو حَيَوَانا، فَذهب الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة: إِلَى أَن عَلَيْهِ مثل مَا اسْتهْلك، قَالُوا: وَلَا يقْضِي بِالْقيمَةِ إلاَّ عِنْد عدم الْمثل، وَذهب مَالك: إِلَى أَن من اسْتهْلك شَيْئا من الْعرُوض أَو الْحَيَوَان فَعَلَيهِ قِيمَته يَوْم استهلاكه، وَالْقيمَة أعدل فِي ذَلِك، ثمَّ قَالَ: وَاتفقَ مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، فِيمَن اسْتهْلك ذَهَبا أَو وَرقا أَو طَعَاما مَكِيلًا أَو مَوْزُونا أَن عَلَيْهِ مثل مَا اسْتهْلك فِي صفته ووزنه وَكيله. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة أَن كل مَا كَانَ مثلِيا إِذا اسْتَهْلكهُ شخص يجب عَلَيْهِ مثله، وَإِن كَانَ من ذَوَات الْقيم يجب عَلَيْهِ قِيمَته، والمثلي كالمكيل مثل الْحِنْطَة وَالشعِير، وَالْمَوْزُون كالدراهم وَالدَّنَانِير، وَلَكِن بِشَرْط أَن لَا يكون الْمَوْزُون مِمَّا يضر بالتبعيض، يَعْنِي: غير المصوغ مِنْهُ، فَهُوَ يلْحق بذوات الْقيم، وَغير الْمثْلِيّ كالعدديات المتفاوتة كالبطيخ وَالرُّمَّان والسفرجل وَالثيَاب وَالدَّوَاب، والعددي المتقارب كالجوز وَالْبيض والفلوس كالمكيل. وَالْجَوَاب عَن حَدِيث الْبَاب مَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ الْمَذْكُور آنِفا، وَقد ذكرنَا فِي أول الْبَاب مَا يَكْفِي عَن الْجَواب عَن الحَدِيث. وَفِيه: بسط عذر الْمَرْأَة فِي حَالَة الْغيرَة، لِأَنَّهُ لم ينْقل أَنه - صلى الله عليه وسلم - عَاتب عَائِشَة على ذَلِك، فَإِنَّمَا قَالَ: (غارت أمكُم) ، وَيُقَال: إِنَّمَا لم يؤدبها، وَلَو بالْكلَام، لِأَنَّهُ فهم أَن المهدية كَانَت أَرَادَت بإرسالها ذَلِك إِلَى بَيت عَائِشَة أذاها، والمظاهرة عَلَيْهَا، فَلَمَّا كسرتها لم يزدْ على أَن قَالَ: (غارت أمكُم وَجمع الطَّعَام بِيَدِهِ وَقَالَ: قَصْعَة بقصعة وَأما طَعَام بِطَعَام) ، لِأَنَّهُ كَانَ يعلم بإتلافه قبُول لَهُ أَو فِي حكمه، وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر: وَلم يغرم الطَّعَام لِأَنَّهُ كَانَ مهْدي، فإتلافه قبُوله لَهُ، أَو فِي حكم الْقبُول، قيل: فِيهِ نظر لِأَن الطَّعَام لم يتْلف فَإِنَّهُ دعى بقصعة فَوَضعه فِيهَا، وَقَالَ: (كلوا غارت أمكُم) . وَأجِيب: بِأَن هَذَا الطَّعَام إِن كَانَ هَدِيَّة فيستدعى أَن يكون ملكا للمهدي فَلَا غَرَامَة، وَإِن كَانَ ملكا للنَّبِي، - صلى الله عليه وسلم -، بِاعْتِبَار أَن مَا كَانَ فِي بيُوت أَزوَاجه، - صلى الله عليه وسلم -، فَهُوَ ملك لَهُ فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ الغرامة. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (13/ 37)