فهرس الكتاب

الصفحة 1819 من 2832

لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، قَالَ: «وَمَا يُدْرِيكِ» قُلْتُ: لاَ أَدْرِي وَاللَّهِ، قَالَ: «أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ، إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ - مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ» قَالَتْ أُمُّ العَلاَءِ: فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ، قَالَتْ: وَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «ذَاكِ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [1] .

1441. عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي المَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالمُسْتَقِلُّ، وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلاَ بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلاَ بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَأَعْبُرَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «اعْبُرْهَا» قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَالإِسْلاَمُ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنَ العَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالقُرْآنُ، حَلاَوَتُهُ تَنْطُفُ، فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ وَالمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، تَاخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ، ثُمَّ يَاخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَاخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَاخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَاتُ؟ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَاتَ بَعْضًا» قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَاتُ، قَالَ: «لاَ تُقْسِمْ» متفق عليه [2] .

(1) صحيح البخاري (9/ 38) (7018)

(2) شرح تهذيب صحيح البخاري (علي بن نايف الشحود(1 - 10) (10/ 328) 215. *- (بخاري:7046) [ش أخرجه مسلم في الرؤيا باب في تأويل الرؤيا رقم 2269 (ظلة) سحابة لها ظل وقيل كل ما أظل من سقيفة ونحوها. (تنطف) تقطر وتسيل. (يتكففون) يأخذون بأكفهم. (سبب) حبل]

قال أبو عبيد وغيره من العلماء: إذا أصاب الأول وجه العبارة وإلا فهي لمن أصابها بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب فيما يرى النائم؛ ليتوصل بذلك إلى مراد الله بما ضربه من الأمثال في المنام فإذا اجتهد العابر وأصاب الصواب في معرفة المراد بما ضربه الله في المنام فلا تفسير إلا تفسيره، ولا ينبغي أن يسأل عنها غيره إلا أن يكون الأول قد قصر به تأويله، فخالف أصول التأويل، فللعابر الثاني أن يبين ما جهله ويخبر بما عنده كما فعل الشارع بالصديق هنا، ولو كانت الرؤيا لأول عابر سواء أصاب أو أخطأ ما قال له:"وأخطأت بعضًا".وقال الكرماني: لا تعبر الرؤيا عن وجهها الذي رُئيت له عبارة عابر ولا غيره، وكيف يستطيع مخلوق أن يعبر ما جاءت به نسخته من أم الكتاب، غير أنه يستحب لمن لم يتدرب في علم التأويل ولا اتسع في التعبير ألا يتعرض لما قد سبق إليه مَن لا يشك في أمانته ودينه وليس له من التجربة فوق تجربته.

قال ابن قتيبة: لا ينبغي أن يسأل صاحب الرؤيا عن رؤياه إلا عالمًا ناصحًا أمينًا كما جاء في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تقصص رؤياك إلا على عالم أو ناصح أو ذي رأي من أهلك، فإنه يقول خيرًا". وليس معنى ذلك أن الرؤيا التي يقول عليها خيرًا كانت دلالة على المكروه والشر، فقد قيل لمالك: (لا يعبر) الرؤيا على الخير وهي عنده على الشر؛ لقول من قال: إنها على ما أولت. فقال: معاذ الله، والرؤيا من أجزاء النبوة، فيتلاعب بالنبوة؟!

ولكن الخير الذي يرجى من العالم والناصح هو التأويل بالحق، أو يدعو له بالخير ودفع الشر، فيقول: خيرًا لك وشرًا لعدوك. إذا جهل الرؤيا.

وفيه -كما قال المهلب- أن للعالم أن يسكت عن تعبير بعض الرؤيا إذا خشي منها فتنة على الناس أو غمًّا شاملًا، فأما إن كان الغم يخص واحدًا من الناس واستفسر العابر فلا بأس أن يخبر بالعبارة؛ ليعد الصبر، ويكون على أهبته من نزول الحادثة به؛ لئلا تفجأه فتفزعه، وقد فسر الصديق للمرأة التي رأت (جانب) بيتها انكسر فقال: يموت زوجك وتلدين غلامًا؛ لما خصها من الحزن، وسألت عن التعبير.

وقوله: ("لا تقسم") بعد إقسام أبي بكر. قال (الداودي) : أي: لا تكرر يمينك، وفيه دليل أن أمره - عليه السلام - بإبرار القسم خاص وأنه فيما يجوز الاطلاع عليه دون ما لا يجوز، الإبرار منعه العلم فيما اتصل بعلم الغيب الذي لم يجز الاطلاع عليه.

قلت: وكذا إذا كان فيه ضرر على المسلمين فلا يجوز إبراره، وكذا إذا أقسم على ما لا يجوز أن يقسم عليه كشرب الخمر والمعاصي ففرض عليه أن لا يبره.

وفيه: أنه لا بأس للتلميذ أن يقسم على أستاذه أن يدعه (يفتي: الرغبة والتدرب) .

وفيه: جواز فتوى المفضول بحضرة الفاضل إذا كان مشارًا إليه بالعلم والإمامة. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (32/ 256)

وقوله: يتكففون, يعني أنهم يأخذون منه بأكفهم, والسبب: الحبل. والواصل بمعنى الموصول واختلف الناس في تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم:"أصبتَ بعضًا وأخطأت بعضًا". فقال بعضهم: إنما صَوّبه في تأويل الرؤيا وخطّأه في الافتيات بالتعبير بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال بعضهم: موضع الخطأ في ذلك أن المذكور في الرؤيا شيئان وهما السَّمن والعسل, فعبرهما على شيء واحد وهو القرآن, وكان حقّه أن يَعْبُر كل واحد منهما على انفراده, وأنهما الكتاب والسنة لأنها بيان الكتاب الذي أُنزِل عليه.

وبلغني هذا القول أو قريب من معناه عن أبي جعفر الطَّحاوِي.

وفي قوله: لاتقسم, دليل على أن أمره - صلى الله عليه وسلم - بإبرار المُقْسم خاص بالمراد, وإنما إبراره يلزم فيما يجوز الإطِّلاع عليه دون ما لايجوز. ألا تراه منعه العلم فيما اتصل بأمر الغيب الذي لم يجز الاطلاع عليه. أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (4/ 2326)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت