1685. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ» متفق عليه [1] .
1686. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَخَذَهُ لِأَهْلِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [2] .
1687. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلاَثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» البخاري [3]
1688. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» البخاري [4]
(1) الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 291) 2068 - 822 - [ش أخرجه مسلم في المساقاة باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر رقم 1603 (الرهن في السلم) المراد بالسلم هنا تأجيل الثمن والرهن فيه أن يرتهن البائع عينا مقابل الثمن توثقا لديه]
(2) سنن الترمذي ت شاكر (3/ 511) (1214) صحيح: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
(3) صحيح البخاري (4/ 41) (2916)
(4) صحيح البخاري (3/ 143) (2511) [ش (الرهن) المرهون. (يركب بنفقته) يركبه المرتهن وينفق عليه فيكون ركوبه بمقابلة نفقته. (يشرب لبن الدر) أي الدارة وهي ذات الضرع ويؤخذ لبنها بمقابلة النفقة عليها]
اختلف/ العلماء في تأويل هذا الكلام، فذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه إلى أن للمرتهن أن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة. قال أحمد: وليس له أن ينتفع منه بشيء سواهما.
وعند الشافعي: أن منفعة الرهن لصاحبه، ونفقته عليه، واحتج بحديث ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه) ، واحتج بأن ضمانه من ماله، فنفعه له، وذلك أنه لا يرى الرهن مضمونا. أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (2/ 1262)
إذا تقرر ذلك فاختلف العلماء فيمن له منفعة الرهن من الركوب واللبن وغيرهما على قولين:
أحدهما: أنه للراهن، ليس للمرتهن أن ينتفع بشيء من ذلك، قاله الشعبي وابن سيرين.
قال النخعي: كانوا يكرهون ذلك، وهو قول الشافعي، فإن للراهن أن يركب الرهن ويشرب لبنه بحق نفقته عليه، وتأوي في الليل إلى المرتهن.
وثانيهما: نعم رخصت فيه طائفة أن ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب دون سائر الأشياء، على لفظ الحديث أن الرهن مركوب ومحلوب، وهو قول أحمد وإسحاق والزهري.
وقال أبو ثور: إن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه، فله ركوبه واستخدامه على ظاهر الحديث، وعن الأوزاعي والليث مثله، ولا يجوز عند مالك والكوفيين للراهن الانتفاع بالرهن وركوبه بعلفه وغلَّته لربه، واحتج الطحاوي لأصحابه فقال: أجمع العلماء على أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، وأنه ليس على المرتهن استعمال الرهن.
قال: والحديث مجمل فيه لم يبين فيه الذي يركب ويشرب، فمن أين جاز للمخالف أن يجعله للراهن دون المرتهن؟ ولا يجوز حمله على أحدهما إلا بدليل. قال: وروى هشيم، عن زكرياء، عن الشعبي فساق ما ذكره ابن حزم، ثم قال: فدل هذا الحديث أنّ المَعْنِيَّ بالركولب وشرب اللبن في الحديث الأول هو المرتهن لا الراهن، فجعل ذلك له وجعلت النفقة عليه بدلًا مما ينقص منه، وكان هذا -والله أعلم- وقت كون الربا مباحًا، ولم يُنْهَ حينئذ عن قرض جر منفعة، ولا عن أخذ الشيء بالشيء إن كانا غير متساويين، ثم حُرِّم الربا بعد ذلك، وحُرّم كل قرض جر منفعة، ونهي عن أخذ الشيء بالشيء إن كانا غير متساويين، وحرمت أشكاله كلها، وردت الأشياء المأخوذة إلى أبدالها المساوية لها وحرم بيع اللبن في الضرع، ودخل في ذلك النهي عن النفقة التي يملك بها المنفق لبنًا في الضرع، وتلك النفقة غير موقوف على مقدارها، واللبن كذلك أيضًا، فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة على المرتهن بالمنافع التي تجب له عوضًا منها وباللبن الذي يحلبه فيشربه.
ويقال لمن جوز للراهن استعمال الرهن، أيجوز للراهن أن يرهن دابة هو راكبها؟ فلا يجد بدًّا من أن يقول: لا، فيقال له: فإذا كان الرهن لا يجوز إلا أن يكون مُخَلًّى بينه وبين المرتهن فيقبضه ويصير في يد دون الراهن، كما وصف الله تعالى الرهن بقوله: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] فقد ثبت أن دوام القبض في الرهن لا بد منه؛ إذ كان الرهن إنما هو وثيقة في يد المرتهن بالدين، وقد أجمعت الأُمَّةُ أن الأَمَةَ المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها، فكذلك لا يجوز له خدمتها، وللمرتهن منعه، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه.
قال الشعبي: لا ينتفع من الرهن بشيء. فهذا الشعبي روى الحديث وأفتى بخلافه، ولا يجوز عليه ذلك إلا وهو عنده مخصوص.
وقال ابن القاسم عن مالك: إذا خلى المرتهن بين الراهن وبين الرهن يركبه أو يعيره أو يسكنه لم يكن رهنًا، وإذا أجره المرتهن بإذن الراهن أو أعاره لم يخرج من الرهن والأجرة لرب الرهن، ولا يكون الكراء رهينة إلا أن يشترط المرتهن، فإذا اشترط في البيع أن يرتهن ويأخذ حقه من الكراء، فإن مالكًا كرهه، وإن كان البيع وقع بهذا الشرط إلى أجل معلوم فإن ذلك يجوز عند مالك في الدور والأرضين
وكرهه في الحيوان والثياب؛ إذ لا يدري كيف ترجع إليه، وكرهه في القرض؛ لأنه يصير سلفًا جر منفعة.
وقال الكوفيون: إذا أجر المرتهن بإذن الراهن أو أجره الراهن بإذن المرتهن، فقد خرج من الرهن، وحكم الضالة مخالف لحكم الرهن عند مالك وغيره. وقال مالك: إذا أنفق على الضالة من الإبل والدواب فله أن يرجع بذلك على صاحبها إذا جاء وإن أنفقها بغير أمر السلطان، وله أن يحبس ذلك بالنفقة إذ لا يقدر على صاحبها، ولابد من النفقة عليها، والرهن يأخذ راهنه بنفقته، فإن غاب رفع ذلك إلى الإمام.
وقال أبو حنيفة والشافعي: إن أنفق بغير أمر القاضي فهو متطوع، وإن كان بأمره فهو دين على صاحبها.
لخص ابن التين الخلاف في المسألة، فقال: اختلف الناس في تأويل الحديث فذهب مالك والشافعي إلى أن المنافع لربه والنفقة عليه، وذهب أحمد وإسحاق والزهري إلى أن المرتهن ينتفع من
الرهن بقدر النفقة.
قال أحمد: وليس له أن ينتفع منه بشيء سواهما، وذكر أن الدر ملك المرتهن دون الراهن.
وقال أبو حنيفة: لا يملك الراهن والمرتهن شيئًا من منافع الرهن وتكون ضائعة، ولو كان الرهن عبدًا كسوبًا لعطل عن العمل أصحاب الرهن حتى يؤدى الدين.
ولا يجوز عند مالك أن يعقد الرهن على أن تعطل المنافع، وهذِه الأحاديث حجة على أبي حنيفة، ودليلنا على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه"وإن شرط أن منفعة الرهن للمرتهن في قرضٍ أو بيعٍ فسخ ذلك، إلا أن يضرب أجلًا فيجوز في البيع إذا كان عقارًا، واختلف إذا كان حيوانًا أو ثيابًا فكرهه مالك وأجازه ابن القاسم، ولا تدخل الغلة في الرهن عند مالك. وقال أبو حنيفة: تكون رهنًا مع الأصول.
واختلف إذا كان الرهن غنمًا وعليه صوف نام، فأدخله في الرهن ابن القاسم، وخالفه أشهب، والولد عند مالك داخل في الرهن مع أمه، فإن أنفق عليه فنفقته في ذمة الراهن، وليس له حبسه عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب فإنه قال: هو أحق به كالضالة إذا كانت بغير أمرِ الراهن. وقال ابن مسلمة: النفقة مبدَّاة على الدين. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (16/ 121)