1856. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا» التِّرْمِذِيُّ [1] .
1857. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - رضي الله عنه: أنَّهُ رَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ» البخاري [2]
(1) سنن الترمذي ت شاكر (4/ 565) (2328) صحيح
(2) نهذيب صحيح البخاري- علي بن نايف الشحود (ص: 382) 1555. *- (بخاري: 2321)
- [ش (سكة) الحديدة التي تحرث بها الأرض. (آلة الحرث) آلات الزراعة. (هذا) إشارة إلى السكة والآلة. (أدخله الذل) وذلك أن أقبلوا على الزراعة بحيث شغلتهم عن الجهاد والقيام بما لزمهم من واجبات دينية]
قلت: ليس المقصود ذم الزراعة بدليل الحديث الذي سبقه، وإنما يقصد به ماذكر في الشرح، يعني إذا اشتغل بالزراعة، وترك الواجبات الأخرى فقط.
قال الحافظ في الفتح:"وفِي رِوايَة أَبِي نُعَيم المَذكُورَة"إِلاَّ أَدخَلُوا عَلَى أَنفُسهم ذُلًّا لا يَخرُج عَنهُم إِلَى يَوم القِيامَة"والمُراد بِذَلِكَ ما يَلزَمهُم مِن حُقُوق الأَرض الَّتِي تُطالِبهُم بِها الوُلاة."
وكانَ العَمَل فِي الأَراضِي أَوَّل ما اُفتُتِحَت عَلَى أَهل الذِّمَّة فَكانَ الصَّحابَة يَكرَهُونَ تَعاطِي ذَلِكَ. قالَ ابن التِّين: هَذا مِن إِخباره - صلى الله عليه وسلم - بِالمُغَيَّباتِ، لأَنَّ المُشاهَد الآن أَنَّ أَكثَر الظُّلم إِنَّما هُو عَلَى أَهل الحَرث.
وقَد أَشارَ البُخارِيّ بِالتَّرجَمَةِ إِلَى الجَمع بَين حَدِيث أَبِي أُمامَةَ والحَدِيث الماضِي فِي فَضل الزَّرع والغَرس وذَلِكَ بِأَحَدِ أَمرَينِ:
إِمّا أَن يُحمَل ما ورَدَ مِنَ الذَّمّ عَلَى عاقِبَة ذَلِكَ ومَحَلّه ما إِذا اشتَغَلَ بِهِ فَضَيَّعَ بِسَبَبِهِ ما أُمِرَ بِحِفظِهِ. وإِمّا أَن يُحمَل عَلَى ما إِذا لَم يُضَيِّع إِلاَّ أَنَّهُ جاوزَ الحَدّ فِيهِ.
والَّذِي يَظهَر أَنَّ كَلام أَبِي أُمامَةَ مَحمُول عَلَى مَن يَتَعاطَى ذَلِكَ بِنَفسِهِ، أَمّا مَن لَهُ عُمّال يَعمَلُونَ لَهُ وأَدخَلَ داره الآلَة المَذكُورَة لِتُحفَظ لَهُم فَلَيسَ مُرادًا، ويُمكِن الحَمل عَلَى عُمُومه فَإِنَّ الذُّلّ شامِل لِكُلِّ مَن أَدخَلَ عَلَى نَفسه ما يَستَلزِم مُطالَبَة آخَر لَهُ، ولا سِيَّما إِذا كانَ المُطالِب مِنَ الوُلاة. وعَن الدّاوُدِيّ هَذا لِمَن يَقرُب مِنَ العَدُوّ، فَإِنَّهُ إِذا اشتَغَلَ بِالحَرثِ لا يَشتَغِل بِالفُرُوسِيَّةِ فَيَتَأَسَّد عَلَيهِ العَدُوّ، فَحَقّهم أَن يَشتَغِلُوا بِالفُرُوسِيَّةِ وعَلَى غَيرهم إِمدادهم بِما يَحتاجُونَ إِلَيهِ."فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (5/ 5) "
قال الألباني في السلسلة الصحيحة ح10: التكالُب على الدنيا يورث الذل ذكرتُ في المقال السابق بعض الأحاديث الواردة في الحض على استثمار الأرض، مما لَا يَدع مجالا للشك في أن الإسلام شَرَع ذلك للمسلمين , ورغَّبَهم فيه أيَّما ترغيب , واليوم نورد بعض الأحاديث التي قد يتبادر لبعض الأذهان الضعيفة , أو القلوب المريضة , أنها مُعارِضة للأحاديث المتقدمة، وهي في الحقيقة غير مُنافية له إذا ما أُحْسِن فَهْمُها , وخَلَت النفسُ من اتِّباع هواها! , وقد وفَّق العلماء بين هذا الحديث والأحاديث المتقدِّمة في المَقال المشار إليه بوجهين اثنين:
أ - أن المراد بالذُّل , ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تُطالبهم بها الولاة من خراج أو عُشر، فمن أدخل نفسه في ذلك , فقد عَرَّضها للذل.
قال المناوي في (الفيض) :"وليس هذا ذَمًّا للزراعة , فإنها محمودة , مُثاب عليها ,لكثرة أكل العوافي منها، إذ لَا تَلازُم بين ذُلِّ الدنيا وحرمان ثواب البعض."
ولهذا قال ابن التين: هذا من أخباره - صلى الله عليه وسلم - بالمغيَّبات، لأن المُشَاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث.
ب - أنه محمول على من شَغَله الحرثُ والزرعُ عن القيام بالواجبات , كالحرب ونحوه، وإلى هذا ذهب البخاري , حيث ترجم للحديث بقوله:"باب ما يُحْذَر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحدِّ الذي أُمِرَ به".
فإن من المعلوم أن الغُلُوَّ في السعي وراء الكسب , يُلْهي صاحبه عن الواجب , ويَحمله على التَّكالُب على الدنيا , والإخلاد إلى الأرض , والإعراض عن الجهاد، كما هو مُشاهد من الكثيرين من الأغنياء. أ. هـ الجامع الصحيح للسنن والمسانيد (34/ 201)