عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» مسلم [1] .
2071. عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ، زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» مسلم [2] .
2072. عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَرْفَجَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،يَقُولُ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» وفي رواية قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ - صلى الله عليه وسلم -،يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ» مسلم [3] .
(1) اختصار صحيح مسلم مع المتفق عليه (ص: 532) (1848) [ش (ميتة جاهلية) أي على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم (عمية) هي بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان والميم مكسورة والياء مشددة أيضا قالوا هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور قال إسحاق بن رهويه هذا كتقاتل القوم للعصبية (لعصبة) عصبة الرجل أقاربه من جهة الأب سموا بذلك لأنهم يعصبونه ويعتصب بهم أي يحيطون به ويشتد بهم والمعنى يغضب ويقاتل ويدعو غيره كذلك لا لنصرة الدين والحق بل لمحض التعصب لقومه ولهواه كما يقاتل أهل الجاهلية فإنهم إنما كانوا يقاتلون لمحض العصبية (فقتلة) خبر لمبتدأ محذف أي فقتلته كقتلة أهل الجاهلية (ولا يتحاشى) وفي بعض النسخ يتحاشى بالياء ومعناه لا يكترث بما يفعله فيها ولا يخاف وباله وعقوبته]
(2) اختصار صحيح مسلم مع المتفق عليه (ص: 532) (1851) [ش (عبد الله بن مطيع) هو عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي القرشي كان ممن خلع يزيد وخرج عليه وكان يوم الحرة قائد قريش كما كان عبد الله بن حنظلة قائد الأنصار إذ خرج أهل المدينة لقتال مسلم بن عقبة المري الذي بعثه يزيد لقتال أهل المدينة وأخذهم بالبيعة له فلما ظفر أهل الشام بأهل المدينة انهزم عبد الله ولحق بابن الزبير بمكة وشهد معه الحصر الأول وبقي معه إلى أن حصر الحجاج ابن الزبير فقاتل ابن مطيع معه يومئذ وهو يقول
أنا الذي فررت يوم الحره ... والحر لا يفر إلا مره
يا جبذا الكرة بعد الفره ... لأجزين فرة بكره
(لا حجة له) أي لا حجة له في فعله ولا عذر له ينفعه]
(3) اختصار صحيح مسلم مع المتفق عليه (ص: 533) (1852) [ش (هنات وهنات) الهنات جمع هنة وتطلق على كل شيء والمراد بها هنا الفتن والأمور الحادثة (فاضربوه بالسيف كائنا من كان) فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل كان هدرا فقوله - صلى الله عليه وسلم - فاضربوه بالسيف وفي الرواية الأخرى فاقتلوه معناه إذا لم يندفع إلا بذلك]
قلت: هذا مشروط بالإمام المنتخب المطبق لشرع الله أو الإمام المتغلب الذي يحكم بما أنزل الله
هذه الأحاديث قاطعة في أن الأمة الإسلامية أمة موحدة تكون دولة واحدة لها رئيس واحد ولا يجوز للأمة بأي حال أن تتفرق وتتوزعها الحكومات والأئمة.
وليس ثمة ما يمنع أن يتعدد المرشحون للخلافة، ولكن لا يصح أن يختار منهم جميعًا إلا واحدًا، وأهل الشورى مقيدون باختيارهم بأن يختاروا واحدًا توفرت فيه شروط الخلافة فإن توفرت الشروط في أكثر من واحد قدم أهل الشورى أكثرهم فضلًا وأكملهم شروطًا، وليس لهم أن يختاروا من أَدَّاهُمْ اجْتِهَادُهُمْ إلى اختياره قبل أن يعرضوا الأمر عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وإن امتنع عن الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها وعدل إلى سواء ممن تتوفر فيه شروطها.
وإذا تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدم أسنهما وإن لم يكن ذلك شرطًا، فإن بويع أصغرهما جاز، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعي في الاختيار ما توجبه الظروف، فإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى كان الأعلم أحق.
وإذا تعين لأهل الشورى واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه على الإمامة ثم وجد بعده من هو أفضل منه انعقدت ببيعتهم إمامة الأول ولم يجز العدول عنه إلى من هو أفضل منه.
أما إذا ابتدأوا بيعة المفضول مع وجود الأفضل فإن كان ذلك لعذر دعا إليه من كون الأفضل غائبًا أو مريضًا أو كون المفضول أطوع للناس وأقرب إلى القلوب انعقدت بيعة المفضول وصحت إمامته، فإن بويع لغير عذر فقد اختلف في انعقاد بيعته وصحة إمامته فذهبت طائفة إلى أن بيعته لا تنعقد؛ لأن الاختيار إذا دعا إلى أولي الأمرين لم يجز العدول عنه إلى غيره مِمَّا ليس بأولى، وقال أكثر الفقهاء تجوز الإمامة وتصح البيعة ولا يكون وجود الأفضل مانعًا من إمامة المفضول إذا لم يكن مُقَصِّرًا عن شروط الإمامة لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار وليست معتبرة في شروط استحقاق الإمامة.
ولا يجوز أن تعقد الإمامة لشخصين، فإن حدث ذلك في عقد واحد فالعقد باطل لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد وإن شذ قوم فجوزوه،، وإذا بطل العقد تعين أن يستأنف الاختيار، وكان على أهل الشورى أن يختاروا من جديد أحدهما أو شخصًا غيرهما.
وإذا عقدت الإمامة لشخصين في وقت واحد وكان العقد لكل منهما على انفراد، فالإمام في رأي الغزالي من انعقدت له البيعة من الأكثرين أي من اختاره أكثر أهل الشورى، أما جمهور الفقهاء فيرون أن الإمام هو من سبقت له البيعة سواء اختاره الكثيرون أو القليلون، فإن جهل السابق بطل العقدان واستؤنف الاختيار على رأي، أو أقرع على رأي آخر.
وَرَايُ حجة الإسلام الغزالي يتفق مع أوضاعنا العصرية. فيما تجري عليه من انعقاد النيابة لأعضاء مجالس الشورى بأكثر الأصوات، وفيما تأخذ به الدول الجمهورية من اختيار من نال أكثر أصوات الناخبين رئيسًا لها. الإسلام وأوضاعنا السياسية - ت علي بن نايف الشحود (ص: 209)