370.وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» الترمذي [1]
371.وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ قَالَ: لَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ مُعَاذٌ: إِذَا رَكِبَ يُوضِعُونَ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا أَرَى هَؤُلَاءِ إِلَّا شَاغِلِيكَ عَنِّي فَأَوْصِنِي وَاجْمَعْ لِي , فَقَالَ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ , وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ حَسَنَةً تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» هناد [2]
372.عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [3]
(1) سنن الترمذي ت شاكر (4/ 355) (1987) صحيح لغيره
(2) الزهد لهناد بن السري (2/ 520) صحيح لغيره
(اتق الله حيثما كنت) في أي مكان نزلت وأي جهة حللت، فلا يخص بالتقوى مكانًا دون مكان؛ لأنك بمرأى منه تعالى، ولأن الأماكن بالنسبة إلى علمه بعملك سوى (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) تمح إثمها، وتذهب أثره، وهو مشتق من قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] (وخالق الناس بخلق حسن) هو ملكة نفسانية تسهّل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة والآداب المرضية، فتصير ذلك كالخلقة في صاحبه، فيدخل فيه التحرر من البخل والشح والكذب وغير ذلك من الصفات المذمومة، ويدخل فيه التحبب إلى الناس بالقول والفعل، والبذل وطلاقة الوجه مع الأقارب والأجانب، والتساهل في الأمور، والتسامح وما يلزم من الحقوق، وترك التقاطع والتهاجر، واحتمال الأذى مع الأعلى والأدنى، مع طلاقة الوجه وإدامة البشر.
فهذه الخصال تجمع محاسن الخلق ومكارم الأفعال، ولقد كان جميع ذلك وأضعافه من أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -، وبه وصفه الله بأنه على خلق عظيم، وجَمَع من قال:
طلاقة الوجه وكفُّ الأذى ... وبذلك المعروف حسن الخلق
هذه أمهات مكارم الأخلاق، وفي عطفه على التقوى ما يشعرك بعلو شأن الخلق الحسن وفي قوله: الناس، إعلام بأنه يحسن خلقه مع كل مؤمن وكافر قال الله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] التنوير شرح الجامع الصغير (1/ 314)
هذه وصية عظيمة جامعة لحقوق الله تعالى وحقوق عباده، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ} [النساء (131) ] ، وتقوى الله تعالى: طاعته، بامتثال أمره واجتناب نهيه.
وقال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود (114، 115) ] .
وقال ابن المبارك: حُسْن الخُلُق: بسط الوجه، وبذلُ المعروف، وكفّ الأذى.
وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصّى به النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث، فقال عزَّ وجلّ: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران (133: 136) ] .تطريز رياض الصالحين (ص: 60)
(3) الزهد لأحمد بن حنبل (ص: 34) (206) والسنن الكبرى للبيهقي (3/ 516) (6514) والمعجم الصغير للطبراني (2/ 107) (863) والمعجم الكبير للطبراني (7/ 281) (7141) وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 268) وسنن ابن ماجه (2/ 1423) (4260) وموسوعة السنة النبوية - علي بن نايف الشحود (8/ 9) (13406) من طرق حسن وشرح السنة للبغوي (14/ 308) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
قَالَ: «إِنَّ الْكَيِّسَ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِنَّ الْعَاجِزَ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ»
قَوْلُهُ: «دَانَ نَفْسَهُ» أَيِ: اسْتَعْبَدَهَا، وَأَذَلَّهَا يُقَالُ: دِنْتُ الْقَوْمَ أَدِينُهُمْ: إِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِمْ، وَقِيلَ: «دَانَ نَفْسَهُ» ، أَيْ: حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ فِي الْقِيَامَةِ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَجَهَّزُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ سَرَفًا أَنْ يَاكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَى، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: شَيْئَانِ إِذَا عَمِلْتَ بِهِمَا أَصَبْتَ بِهِمَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قِيلَ: مَا هُمَا؟ قَالَ: تَحَمُّلُ مَا تَكْرَهُ إِذَا أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَتَتْرُكَ مَا تُحِبُّ إِذَا كَرِهَ اللَّهُ. شرح السنة للبغوي (14/ 309)