599.عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا مِنْ جَرْعَةٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ أَجْرًا مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا عَبْدٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ"الأدب المفرد [1] "
600.عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ» أبو داود [2]
601.عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى بِهِمُ الْعَصْرَ، ثُمَّ قَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، إِلَّا إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ عِنْدَ اسْتِهِ، إِلَّا وَإِنَّ أَكْبَرَ الْغَدْرِ غَدْرُ أَمِيرِ عَامَّةٍ إِلَّا وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ تُوقَدُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَيْهِ حِينَ يَغْضَبُ كَيْفَ تَحَمِّرُ عَيْنَاهُ، وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَكَانَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ كَانَ جَالِسًا فَلْيَلْزَقْ بِالْأَرْضِ، وَإِنَّ النَّاسَ فِي الْغَضَبِ عَلَى مَنَازِلَ: رَجُلٌ سَرِيعُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ فَذَلِكَ لَا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ، وَرَجُلٌ بَطِيءُ الْغَضَبٍ بَطِيءُ الْفَيْءِ، فَذَلِكَ لَا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ، وَرَجُلٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ فَذَلِكَ لَهُ، وَرَجُلٌ سَرِيعُ الْغَضَبِ بَطِيءٌ الْفَيْءِ فَذَلِكَ عَلَيْهِ، أَلَا إِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى أَطْوَارٍ: يُخْلَقُ الْعَبْدُ مُؤْمِنًا، وَيَعِيشُ مُؤْمِنًا، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، وَيُخْلَقُ الْعَبْدُ كَافِرًا وَيَعِيشُ كَافِرًا، وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَيُخْلَقُ مُؤْمِنًا، وَيَعِيشُ مُؤْمِنًا، وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَيُخْلَقُ كَافِرًا، وَيَعِيشُ كَافِرًا، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا» وَذَكَرَ «أَنَّ النَّاسَ فِي الطَّلَبِ عَلَى مَنَازِلَ: يَكُونُ الرَّجُلُ إِذَا طَلَبَ اشْتَدَّ، وَإِذَا طُلِبَ قَضَى، فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَيَكُونُ الرَّجُلُ إِذَا طَلَبَ حَبَسَ، إِذَا طُلِبَ أُخِذَ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَيَكُونُ الرَّجُلُ إِذَا طَلَبَ حَبَسَ وَأَخَذَ، وَإِذَا طُلِبَ قَضَى، فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَيَكُونُ الرَّجُلُ إِذَا طَلَبَ يَحْبِسُ، وَإِذَا طُلِبَ لَوَى، فَهُوَ شَرٌّ لَهُ، أَلَا هَلْ
(1) الأدب المفرد مخرجا (ص: 446) (1318) صحيح موقوف
(2) سنن أبي داود (4/ 248) (4777) وسنن ابن ماجه (2/ 1400) (4186) ومسند الروياني (2/ 286) (1216) حسن
مَنْ كَظَمَ غَيْظًا) أَيِ: اجْتَرَعَ غَضَبًا كَامِنًا فِيهِ (وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنَفِّذَهُ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: يُمْضِيَهُ وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى إِنْفَاذِهِ، فَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْفَاءِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَجَوَابُ الشَّرْطِ (دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: شَهَرَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَتَبَاهَى بِهِ، وَيُقَالُ فِي حَقِّهِ: هَذَا الَّذِي صَدَرَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْخَصْلَةُ الْعَظِيمَةُ (حَتَّى يُخَيِّرَهُ) أَيْ: يَجْعَلُهُ مُخَيَّرًا (فِي أَيِّ الْحَوَرِ شَاءَ) أَيْ: فِي أَخْذِ أَيِّهِنَّ شَاءَ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ الْمَنِيعَةَ وَإِيصَالِهِ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ. وَفِي النِّهَايَةِ: كَظْمُ الْغَيْظِ تَجَرُّعُهُ وَاحْتِمَالُ سَبَبِهِ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا حُمِدُ الْكَظْمُ لِأَنَّهُ قَهْرٌ لِلنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134] ، وَمَنْ نَهَى النَّفْسَ عَنْ هَوَاهُ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ مَاوَاهُ، وَالْحُورَ الْعَيْنَ جَزَاهُ. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّنَاءُ الْجَمِيلُ وَالْجَزَاءُ الْجَزِيلُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى مُجَرَّدِ كَظْمِ الْغَيْظِ، فَكَيْفَ إِذَا انْضَمَّ الْعَفْوُ إِلَيْهِ أَوْ زَادَ بِالْإِحْسَانِ عَلَيْهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْإِحْسَانُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَى الْمُسِيءِ، فَإِنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى الْمُحْسِنِ مُتَاجَرَةٌ، وَفِي الْبَيْضَاوِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّ هَؤُلَاءِ فِي أُمَّتِي قَلِيلٌ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ كَانُوا كَثِيرًا مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي مَضَتِ اهـ. وَهُوَ قَدْ ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ. قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ إِلَخْ. وَلَعَلَّهُ مَاخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ - ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ - وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 10 - 14] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3181)