فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 2832

وَلَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» أبو داود [1]

795.عنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: عَلَّمْتُ رَجُلًا الْقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «إِنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ» ، فَرَدَدْتُهَا"ابن ماجة [2] "

796.وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَرُّوا بِمَاءٍ، فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ، إِنَّ فِي المَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ، فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» البخاري [3]

(1) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 769) (3416) (صحيح لغيره)

قال الخطابي: اختلف الناس في معنى هذا الحديث وتأويله، فذهب قوم من العلماء إلى ظاهره، فرأوا أن أخذ الأجرة والعوض على تعليم القرآن غير مباح، وإليه ذهب الزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه.

وقالت طائفة: لا بأس به ما لم يشترط، وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي. وأباح ذلك آخرون، وهو مذهب عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور، واحتجوا بحديث سهْل بن سعد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهرًا:"زوجتكها على ما معك من القرآن" [سلف عند المصنف برقم (2111) ] ، وتأولوا حديث عبادة على أنه أمران تبرع به، ونوى الاحتساب فيه، ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع، فحذره النبي - صلى الله عليه وسلم - إبطالَ أجره وتوعده عليه، وكان سبيلُ عبادة في هذا سبيلَ من رد ضالة الرجل أو استخرج له متاعًا قد غرق في بحر تبرعًا وحسبة، فليس له أن يأخذ عليه عوضا ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزًا.

وأهل الصفة: قوم فقراء، كانوا يعيشون بصدقة الناس، فأخذُ الرجلِ المالَ منهم مكروه، ودفعه إليهم مستحب.

وقال بعض العلماء: أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات:

فإن كان في المسلمين غيره ممن يقوم به حلَّ له أخذ الأجرة عليه، لأن فرض ذلك لا يتعين عليه. وإذا كان في حال أو موضع لا يقوم به غيره لم يحل له أخذ الأجرة. وعلى هذا تأول اختلاف الأخبار فيه.

(2) سنن ابن ماجه (2/ 730) (2158) صحيح لغيره

(3) صحيح البخاري (7/ 132) (5737) (بماء) بقوم نازلين على ماء. (لديغ) قرصته أفعى أو عقرب. (سليم) يسمى اللديغ سليما تفاؤلا له بالسلامة. (شاء) غنم (أحق) أولى]

قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: فِي الْحَدِيث دليلٌ على جَوَاز أخذِ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَجَوَاز شَرطه، وَإِلَيْهِ ذهب عَطَاء، وَالْحكم، وَبِهِ قَالَ مَالِك، وَالشَّافِعِيّ، وَأَبُو ثَوْر، قَالَ الحكم: مَا سمعتُ فَقِيها يكرههُ.

وَفِيه دليلٌ على جَوَاز الرّقية بِالْقُرْآنِ، وبذكر اللَّه، وأخذِ الْأُجْرَة عَلَيْهِ، لِأَن الْقِرَاءَة وَالْفِقْه من الْأَفْعَال الْمُبَاحَة، وَفِيه إِبَاحَة أجر الطَّبِيب والمعالج.

وَذهب جمَاعَة من أهل الْعلم إِلَى أَن أَخذ الْأُجْرَة، والعوض، على تَعْلِيم الْقُرْآن غيرُ مُبَاح، وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ، وَأَبِي حنيفَة، وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَنْصُور، عَنْ إِبْرَاهِيم: أَنَّهُ كره أجر الْمعلم، وَقَالَ جَابِر بْن زَيْد: لَا بَاس بِهِ مَا لم يشْتَرط.

وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوي، عَنْ عُبَادَة، عَنِ ابْن الصَّامِت، قَالَ: قلتُ يَا رَسُول اللَّه رجل أهْدى إليَّ قوسًا مِمَّن كنت أعلِّمُه الكتابَ وَالْقُرْآن، وَلَيْسَت بمالِ، فأرمي عَلَيْهَا فِي سَبِيل اللَّه؟ قَالَ: «إِنْ كُنت تُحِبُّ أَنْ تُطِوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» .

وَمن أباحَهُ، تَأَول الْحَدِيث على أنهُ كَانَ تبرع بِهِ، وَنوى الاحتساب فِيهِ، وَلم يكن قصدُهُ وقتَ التَّعْلِيم إِلَى طلب عوض ونفع، فحذره النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبطالَ أجره وحسبته، كَمَا لَو ردَّ ضَالَّة إِنْسَان حِسبة لم يكن لهُ أَن يَاخُذ عَلَيْهِ عِوَضًا، فأمَّا إِذا لم يحْتَسب، وَطلب عَلَيْهِ الْأُجْرَة، فَجَائِز بِدَلِيل حَدِيث ابْن عَبَّاس.

وَذهب قوم إِلَى أنهُ لَا بَاس بِأخذ المَال مَا لم يشْتَرط، وَهُوَ قَول الْحَسَن، وَابْن سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيّ.

وَقَالَ بعضُ أهل الْعلم: أخذُ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن لهُ حالان، فَإِذا كَانَ فِي الْمُسلمين غيرُهُ مِمَّن يقومُ بِهِ، حلَّ لَهُ أخذُ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن، لِأَنَّهُ غيرُ مُتَعَيّن عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ فِي حَال أَو مَوضِع لَا يقومُ بِهِ غيرُه، لم يحل لهُ أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهِ، وتأوَّل على هَذَا اختلافَ الْأَخْبَار فِيهِ، ويَستدل بِحَدِيث ابْن عَبَّاس مَنْ يرى بيع الْمَصَاحِف، وَأخذ الْأُجْرَة على كتبتها.

وَاخْتلف أهل الْعلم فِي بيع الْمَصَاحِف، قَالَ ابْن عُمَر: بئس التِّجَارَة بيعُ الْمَصَاحِف وكتابتُها بِالْأَجْرِ، ويُروى عَنْهُ، أنهُ كَانَ يَقُول: وَدِدْتُ أَنَّ الْأَيْدِي تُقْطَعُ فِي بَيْعِ المَصَاحِفِ، وَكره بيعهَا وشراءها عَلْقَمَة وَشُرَيْح وَابْن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ، وكرهت طَائِفَة بيعهَا ورخصوا فِي شِرَائهَا، رُوي ذَلِكَ عَنِ ابْن عَبَّاس، وَبِهِ قَالَ سَعِيد بْن جُبَير، وَالْحكم، وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل: الأمرُ فِي شِرَائهَا أَهْون، وَمَا أعلم فِي بيعهَا رخصَة.

وَرخّص أكثرُ الْفُقَهَاء فِي بيعهَا وشرائها، وَهُوَ قَول الْحَسَن، وَالشَّعْبِيّ، وَعِكْرِمَة، وَإِلَيْهِ ذهب سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَمَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأَصْحَاب الرَّاي. شرح السنة للبغوي (8/ 268)

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت