945.عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَأَثْنَى عَلَى عُثْمَانَ فِي وَجْهِهِ، فَأَخَذَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ تُرَابًا فَحَثَا فِي وَجْهِهِ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا لَقِيتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ [1]
946.عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ، فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَانُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمِ التُّرَابَ» مسلم [2]
947.عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ أَبِي: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» أبو داود [3]
(1) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 1112) 4804 - أخرجه مسلم (3002)
قال الإِمام الخطابي في"معالم السنن"4/ 111: المدَّاحون هم الذين اتخذوا مدحَ الناس عادة، وجعلوه بِضاعة يستأكلون به الممدوحَ ويفتنونَه، فأما مَن مدح الرجلَ على الفِعل الحَسَنُ، والأمرِ المحمود يكون منه، ترغيبا له في أمثاله، وتحريضًا للناس على الاقتداء به في أشباهه، فليس بمدَّاح، وإن كان قد صار مادحًا بما تكلم به من جميلِ القولِ فيه. وقد استعمل المقدادُ الحديثَ على ظاهره، وحمله على وجهه في تناول عين التراب بيده، وحثيه على وجه المادح.
وقد يتأول أيضًا على وجه آخر وهو أن يكون معناه الخيبة والحرمان، أي: من تعرض لكم بالمدح والثناء، فلا تعطوه، واحرمره، كنى بالتراب عن الحرمان، كقولهم: ما في يده إلا التراب، وكقوله:"إذا جاءك يطلب ثمن الكلب، فاملأ كفه ترابًا".
وقد أدرج الإِمام النووي في"شرح مسلم"18/ 126 الأحاديث التي ذكرها مسلم في المدح تحت: باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط، وخيف منه فتنة الممدوح، ثم قال: ذكر مسلم في هذا الباب الأحاديث الواردة في النهي عن المدح، وقد جاءت أحاديث كثيرة في"الصحيحين"بالمدح في الوجه، قال العلماء: وطريق الجمع بينهما أن النهي محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف، أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح، وأما من لا يخاف عليه ذلك، لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنَشطِه للخير، والازدياد منه، أو الدوام عليه أو الاقتداء به كان مستحبًا، والله أعلم.
(2) اختصار صحيح مسلم مع المتفق عليه (ص: 837) (3002)
(3) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 1112) 4806 - (صحيح)
وقوله:"السيد الله"قال السندي في"شرحه على المسند": أشار إلى أن اسم السيد يطلق على المالك، وهذه الصفة حقيقة لله تعالى، ففي إطلاقه إيهامٌ تَركه أوْلى.
نعم، قد يطلق على معانٍ يصح بها إطلاقه على غيره تعالى أيضًا، لكن تركه أقرب، سيما إذا كان فيه خوف الافتخار.
وقال الحَلِيمي في تفسير لفظة"السيد"من كتابه"المنهاج في شعب الأيمان"1/ 192: ومعناه المحتاجُ إليه على الاطلاقِ، فإن سيدَ الناس هو رأسُهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن رأيه يصدرون، ومن قوله يستمدون، فإذا كانت الملائكة والإنسُ والجن خلقًا للباري جَل ثناؤه ولم يكن بهم غُنيةٌ عنه في بدء أمرهم وهو الوجود. إذ لو لم يوجدهم لم يُوجَدوا, ولا في الابقاء بعد الإيجاد، ولا في العوارض العارضة أثناء البقاء، كان حقًا له جل ثناؤه أن يكون سيدًا، وكان حقًا عليهم أن يدعوه بهذا الاسم.
وقوله::"طَوْلا"بالفتح، أي: سَعَة وقدرة لنفاذ حكمك فيهم.
وقوله:"ولا يستجرينكم الشيطان"، قال ابن الأثير: أي: لا يَستَغلِبَنَّكَم فيتَّخذَكم جَريًا، أي: رسولًا ووكيلًا. وذلك أنهم كانوا مَدَحوه فكَرِه لهم المبالغة في المدح، فنهاهُم عنه، يُريد: تكَلَّمُوا بما يحضُرُكم من القول، ولا تتكلفُوه كأنكم وُكَلاء الشيطان ورُسُلُه، تنطقُون عن لسانه.
وقال الخطابي في"معالم السنن"4/ 112، قوله:"السيد الله": يريد أن الُسُّؤدُدَ حقيقة دله عز وجل، وأن الخلق كلُّهم عبيدْ له، وإنما منعهم فيما نرى أن يدعوه سيدًا مع قوله:"أنا سيد ولد آدم"وقوله لبنى قريظة:"قوموا إلى سيدكم"، يريد: سعد بن معاذ، من أجل أنهم قوم حديث عهدهم بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا، وكان لهم رؤساء يعظمونهم، وينقادون لامرهم، ويسمونهم السادات، فعلمهم الثناء عليه وأرشدهم إلى الأدب في ذلك، فقال:"قولوا بقولكم"، يريد: قولوا بقول أهل دينكم وملتكم وادعوني نبيًا ورسولًا كما سماني الله عز وجل في كتابه، فقال {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} ، ولا تسموني سيدًا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم، ولا تجعلوني مثلهم، فإني لستُ كأحدهم إذ كانوا يسودونكم بأسباب الدنيا، وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة، فسموني نبيًا ورسولًا.
وقوله:"بعض قولكم"، فيه حذف واختصار ومعناه دعوا بعض قولكم واتركوه، يريد بذلك: الاقتصار في المقال. قال الشاعر:
فبعضَ القول عاذِلتي فإني ... سيكفيني التجارب وانتسابي
قلنا: قول الخطابى: لبني قريظة. خطأ، والصواب أنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك للأنصار، كما جاء في"صحيح البخاري" (4121) .