فهرس الكتاب

الصفحة 2259 من 2832

وَسَلَّمَ: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ حَذَرًا، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ» ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا"متفق عليه [1] "

1095. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالحِجْرِ قَالَ: «لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، ثُمَّ قَنَّعَ رَاسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الوَادِيَ» البخاري [2]

(1) إرشاد الحيران فيما اتفق عليه الشيخان مع الشرح (ص: 3536) 2040. (2980) صحيح البخاري (6/ 7) (4419) (ثم زجر) أي زجر ناقته فحذف ذكر الناقة للعلم به ومعناه ساقها سوقا شديدا حتى خلفها أي جاوز المساكن]

الْإِشَارَة إِلَى قوم ثَمُود. قَالَ قَتَادَة: الْحجر اسْم الْوَادي الَّذِي كَانُوا بِهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: اسْم مدينتهم. وَقَوله:"إِلَّا أَن تَكُونُوا بَاكِينَ"إِنَّمَا ينشأ الْبكاء عَن التفكر، فَكَأَنَّهُ أَمرهم فِي التفكر فِي أَحْوَال توجب الْبكاء. والتفكر الَّذِي ينشأ عَنهُ الْبكاء فِي مثل ذَلِك الْمقَام يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهَا تفكر يتَعَلَّق بِأَمْر الله عز وَجل. وَالثَّانِي: يتَعَلَّق بأولئك الْقَوْم. وَالثَّالِث: يتَعَلَّق بالمار عَلَيْهِم. وَفِي كل قسم من هَذِه فنون نشِير إِلَى يسير مِنْهَا يُنَبه على الْكثير. فَأَما الْمُتَعَلّق بِاللَّه عز وَجل: فَمِنْهُ قَضَاؤُهُ على أُولَئِكَ بالْكفْر، وَلِهَذَا الْمَار عَلَيْهِم بِالْإِيمَان قبل وجود الْفَرِيقَيْنِ. وَمِنْه خوف تقليبه الْقُلُوب، فَرُبمَا جعل مآل الْمُؤمن إِلَى الْكفْر. وَمِنْه إمهال الْكفَّار على كفرهم مُدَّة طَوِيلَة. وَمِنْه شدَّة نقمته وَقُوَّة عَذَابه. وَأما الْمُتَعَلّق بالقوم فإهمالهم إِعْمَال الْعُقُول فِي طَاعَة الْخلق، ومبارزتهم بالعناد والمخالفة، وفوات أَمرهم حَتَّى لَا وَجه للاستدراك، حَتَّى إِن لعنتهم وعقوبتهم أثرت فِي الْمَكَان وَالْمَاء، فَقَالَ:"لَا تدْخلُوا مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم"وَلما استقوا من آبارهم وعجنوا بِهِ أَمرهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يهريقوا مَا استقوا ويعلفوا الْإِبِل الْعَجِين وَأَن يَسْتَقُوا من الْبِئْر الَّتِي كَانَت تردها النَّاقة. فَأَما الْمُتَعَلّق بالمار عَلَيْهِم فتوفيقه للْإيمَان، واعتباره بِالْجِنْسِ، وتمكينه من الِاسْتِدْرَاك، وإمهاله مَعَ الْعِصْيَان، ومسامحته مَعَ الزلل، إِلَى غير ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي كلهَا توجب الْبكاء. فَمن مر على مثل أُولَئِكَ وَلم يتفكر فِيمَا يُوجب الْبكاء شابههم فِي إهمالهم التفكر، فَلم يُؤمن عَلَيْهِ نزُول الْعقَاب. وَقَوله:"أَن يُصِيبكُم"فِيهِ إِضْمَار تَقْدِيره: حذار أَن يُصِيبكُم، وَهَذَا تحذير من الْغَفْلَة عَن تدبر الْآيَات، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ مَا حل بهم وَلم تنتبهوا من رقدات الْغَفْلَة فاحذروا من الْعقُوبَة، فَإِنَّهُ إِنَّمَا حلت بهم لغفلتهم عَن التدبر. كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري (7/ 146)

(2) صحيح البخاري (6/ 7) (4419) (لما مر. .) وهو عائد من غزوة تبوك. (أجاز الوادي) قطعه وجاوزه]

قال المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب البكاء عند المرور بقبور الظالمين والخوف من أن يصيب الإنسان ما أصابهم ثم ذكر حديث ابن عمر بمرور النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحجر ديار ثمود وثمود هم قوم صالح الذين أرسل الله إليهم صالحا عليه الصلاة والسلام فذكرهم بالله ولكنهم كفروا به فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ثم أخذتهم الصيحة والرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين وكان الله تعالى قد أعطاهم قدرة وقوة في نحت الجبال وبناء القصور في السهول وأصبحوا أمة قوية ولكن الله تعالى أخذهم برجفة وصيحة فماتوا عن آخرهم مر بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في طريقه إلى تبوك فقال - صلى الله عليه وسلم - لا تدخلوا على هؤلاء إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم ولهذا نقول لا يجوز لأحد أن يذهب لديار ثمود ليتفرج وينظر مساكنهم لأن ذلك وقوع في معصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا رجلا يريد أن يذهب للعبرة ويكون باكيا عند مروره بتلك الأماكن فإن لم يكن باكيا فإنه لا يجوز أن يدخل عليهم لأنه ربما يصيبه ما أصابهم ولما مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بواديهم قنع رأسه يعني خفضه وأسرع السير حتى تجاوز الوادي وبه نعرف خطأ هؤلاء الجهال الذين يذهبون إلى ديار ثمود للتفرج والتنزه ويبقون فيها أياما ينظرون آثارهم القديمة فإن ذلك معصية للرسول - صلى الله عليه وسلم - ومخالفة لهديه وسنته فإنه - صلى الله عليه وسلم - لما مر بهذه الديار أسرع وقنع رأسه - صلى الله عليه وسلم - حتى جاوز الوادي وحذر من أن يسكن الإنسان في مساكن الذين ظلموا أنفسهم والذين أهلكهم الله في هذه الأرض خوفا أن يصيب الإنسان ما أصابهم من عذاب الله إما بكفره بالله عز وجل حتى يستحق هذا العذاب وإما بعقوبة يعاقب بها وإن لم يكفر وإذا لقي الله تعالى يوم القيامة فالله بصير بالعباد والله الموفق. شرح رياض الصالحين (4/ 577)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت