فهرس الكتاب

الصفحة 2261 من 2832

1101. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللهِ، قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، وَوَاحِدَةٌ فِي شَانِ سَارَةَ، فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ، إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَأَىهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ، أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُتِيَ بِهَا فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ، فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَاتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ. قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَأَىهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا"قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ"متفق عليه [1] ."

(1) إرشاد الحيران فيما اتفق عليه الشيخان مع الشرح (ص: 2914) 1678. (2371) أخرجه البخاري في: 60 كتاب الأنبياء: 8 باب قول الله تعالى (واتخذ الله إبراهيم خليلًا) (لم يكذب إبراهيم) قال المازري أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى فالأنبياء معصومون منه سواء كثيره وقليله وأما ما لا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصغائر كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا ففي إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف قال القاضي عياض الصحيح أن الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يتصور وقوعه منهم سواء جوزنا وقوع الصغائر منهم أم لا وسواء قل الكذب أم كثر لأن منصب النبوة يرتفع عنه وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم (ثنتين في ذات الله) معناه أن الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع وأما في نفس الأمر فليست كذبا مذموما لوجهين أحدهما أنه وري بها فقال في سارة أختي في الإسلام وهو صحيح في باطن الأمر والوجه الثاني أنه لو كان كذبا لا تورية فيه لكان جائزا في دفع الظالمين فنبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم (فلك الله) أي شاهد وضامن أن لا أضرك قال الطيبي الرواية فيه بالنصب لا يجوز غيره وهو قسم (مهيم) أي ما شأنك وما أخبرك (وأخدم خادما) أي وهبني خادما وهي هاجر ويقال آجر والخادم يقع على الذكر والأنثى (يا بني ماء السماء) قال كثيرون المراد ببني ماء السماء العرب كلهم لخلوص نسبهم وصفائه وقيل لأن أكثرهم أصحاب مواشي وعيشهم من المرعى والخصب وما ينبت بماء السماء وقال القاضي الأظهر عندي أن المراد بذلك الأنصار خاصة ونسبتهم إلى جدهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد وكان يعرف بماء السماء وهو المشهور بذلك والأنصار كلهم من ولد حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور]

معنى الحديث: أن خليل الله إبراهيم عليه السلام كان المثل الأعلى في الصدق، لم يكذب طول حياته سوى ثلاث كذبات كلها جائزة مشروعة، لأنها ليست كذبًا في الحقيقة، وإنما سماها بذلك لمخالفتها الواقع في الظاهر، فهي ثلاثة أقوال صحيحة تخالف الواقع ظاهرًا، وتوافقه حقيقة وهو معنى قوله:"لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلاّ ثلاث كذبات"قال أبو البقاء: الجيد أن يقال بفتح الذال في الجمع لأنه جمع كذبة بسكون الذال تقول كذب كذبة، كما تقول ركع ركعة، قال: وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولًا يعتقده السامع كذبًا، لكنه إذا حقق لم يكن كذبًا لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين. اهـ: ثم قال - صلى الله عليه وسلم:"ثنتان منهن في ذات الله عز وجل"أي ثنتان من الثلاث كانتا لأجل الله تعالى وحده دون أن يكون فيهما أي حظ لنفسه وهما قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) لأنه قال ذلك ليتخلص من الخروج معهم إلى معبدهم، ومشاركتهم في عبادتهم الباطلة، وقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) لأنه قاله ليستدل به على ضعف آلهتهم، فهاتان الكذبتان في ذات الله تعالى، بخلاف الثالثة، فإنها كانت للتخلص من ذلك الجبار، ثم ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الكذبات الثلاث: الأولى:"قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) "وسماها"كذبة"لأنّه قول يخالف الواقع في ظاهره، حيث إنه لم يكن مريض الجسم، ولكنه أراد أنه سقيم القلب، فهو باعتبار هذا المعنى الذي قصده إبراهيم ليس كذبًا، وإنما هو عين الصدق. والثانية:"قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) "وقد سماه"كذبة"باعتبار الظاهر الذي فهموه من أن الصنم الأكبر غضب من عبادتهم للأصنام الأخرى فكسرها في حين أنه أراد - كما قال بعضهم: إن هذا الصنم الكبير هو السبب الذي دفعني إلى تحطيم الأصنام الأخرى لأني لما رأيتها مصطفة حوله تعظيمًا وتقديسًا له حطمتها كلها إمعانًا في إذلاله، واستدلالًا على ضعفه ومهانته، وعجزه عن الدفاع عنها، ولو كان ربًا قادرًا عزيزًا لدافع عنها وحماها،"وقال بينا هو ذات يوم وسارة إذا أتي على جبار"أي قال - صلى الله عليه وسلم - في بيان الكذبة الثالثة لما قدم إبراهيم أرض مصر التي كان يحكمها جبار من الجبابرة، وبصحبته زوجته سارة"فقيل له"أي للجبار"إن ها هنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس"صورة"فأرسل إليه، فسأله عنها قال: من هذه قال: أختي"وسماه كذبةً باعتبار الظاهر حيث فهم منه الجبار أنّها أخته نسبًا في حين أنه أراد أنها أخته في الدين، فجوابه صدق مطابق للواقع بهذا المعنى،"فلما دخلت عليه"أي على جبار مصر"ذهب يتناولها بيده فأخذ"وفي رواية مسلم:"فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة"وفي رواية:"فقامت تتوضأ وتصلى فَغُطَّ (بضم الغين) حتى ركض برجله، أي اختنق، حتى صار كأنه مصروع"فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق"وزالت عنه الحالة التي كان عليها، ولكنه لم يعتبر بما حدث له، بل طمع فيها مرة أخرى كما قال:"ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها"أي فأصيب بمثل ما أصيب في المرة الأولى"فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق"ورجع إلى حالته العادية، فكف نفسه عنها، السامع، ومعنى بعيد لا يخطر بباله، فيقصد المعنى البعيد ليخفي عن المخاطب أمرًا تقضي الحاجة أو الضرورة إلى إخفائه، وهو ما أراده إبراهيم عليه السلام، كما وضحناه أثناء شرحنا للحديث. وليس هناك كذاب حقيقي، فالأنبياء لا يكذبون، لأنهم معصومون، وأطلق عليه الكذب تجوزًا لكونه على صورته، وإلّا فهو من باب المعاريض وهي فسحة ووقاية من الكذب كما في الخبر"إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب". الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث تدل على خُلَّة إبراهيم وكمال محبته. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 184) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت