وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلاَ أَنْ تَحْسِبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلاَ تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَا ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الحَارِثِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلاَةَ، وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ - حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ - أَنْ يُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلًا عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ [1] ."
1375. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ» وَهُوَ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو لَحْيَانَ، فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلًا نَزَلُوهُ، فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ، فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى
(1) صحيح البخاري (5/ 78) (3989) [ش (حس) علم وشعر أحبس - الرباعي - أفصح قال تعإلى {فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله} / آل عمران 52 /. (بددا) اجعلهم أجزاء متفرقة متقطعة. (أبو سرعة) وروي عنه أنه قال والله ما أنا قتلت خبيبا لأني كنت أصغر من ذلك ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدي وبالحربة ثم طعنه بها قتله. (صبرا) حبس ليقتل وكل من قتل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتول صبرا]
* في هذا الحديث من الفقه: ما يظهر حكمة الله البالغة بأن يلهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث مثل هؤلاء الرهط فيكتب لهم الشهادة، ويعودوا قدوة لمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، في امتناع عن امتنع عن النزول على حكم مشرك، وصبر من صبر لما غدر به الكفار، فكل هؤلاء قدوة بصورة حالة؛ ليكون الامتناع عن النزول على حكم مشرك رضي بتعجل الشهادة إلى يوم القيامة، أيضًا سائًغا غير مكروه ولا محظور اقتداء بعاصم بن ثابت؛ وليكون النزول على حكم المشركين رضى بعهدهم وأمانهم مباحًا اقتداء بخبيب بن عدي رضي الله عنه، وليبتلي الله عباده المؤمنين بمثل هذه الحادثة؛ ليميز الله من ثبت إيمانه عندها ممكن يضطرب قلبه، ويتبع وساوس الشيطان.
* وفي قوله: كيف يرسل هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - قومًا تكون هذه عاقبتهم؟ وإنما كان ذلك بحكم من الله سبحانه، منها: أن يكشف الله بهم المنافقين حول نبيه - صلى الله عليه وسلم -، مع فوز من فاز بالشهادة مكتوبًا له أجر من اقتدى به في عمله.
* وفيه أيضًا من الفقه: ألا يجاز المشرك في ولد له، صغيرًا أو غير ذلك، وإن كانوا هم يحاربون المسلمين؛ لأن خبيبًا لم يؤد الطفل مع قدرته على أذاه.
* وفيه أيضًا: أن الركعتين من خبيب صارت سنة؛ لكل من قتل صبرًا من المسلمين.
* وفيه أيضًا: جواز ترك الإكثار من الصلاة، إذا خاف المصلي أن يظن المشركون أن صلاته تلك هرب من الموت، وتبعيد لوقته.
* وفيه أيضًا: ما يدل على صدق عزم خبيب، وحسن ثبات عقله، حين قال هذا الشعر في مثل تلك الحالة الشديدة على تقبل الموت، ومعاينة القتل بأيدي الأعداء.
* وأما إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بما جرى للقوم قبل وصول الخبر، فإنه يدل على نبوته - صلى الله عليه وسلم -.الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 358)