وَلاَ تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ». فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ، فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلاَ تُنْزِلُوهَا» وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ"متفق عليه [1] "
1393. عن سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَمَصًا، فَانْكَفَاتُ إِلَى امْرَأَتِي، فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَمَصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ، قَالَ: فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ فِي نَفَرٍ مَعَكَ، فَصَاحَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ: «يَا أَهْلَ
(1) صحيح البخاري (5/ 108) (4102) وصحيح مسلم (3/ 1610) 141 - (2039)
من فوائد الحديث:
1 -إكرام الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالمعجزة، بتكثير الطعام حتى شبعوا جميعًا ومن حكمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يغطي القدر والتنور إظهارًا للبركة لا للإيجاد والخلق وهما من الله وحده، محافظة على عقيدة الوحيد.
2 -القائد المخلص لا يشبع وحده، بل يدعو أصحابه معه. وهذا من كمال خلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورحمته بأصحابه، حيث لم يستأثر بشيء دونهم، بل لما تيسر له الطعام، ولم يأكل حتى شبعوا جميعًا، فشاركهم في السراء والضراء، صلوات الله وسلامه عليه.
3 -الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأمر أصحابه بالنظام (ادخلوا ولا تضاغطوا) .
وذلك من خلال تقسيم النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة - رضي الله عنهم- لما أدخلهم للأكل، حيث جاء في بعض الروايات"وَأَقْعَدَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً فَأَكَلُوا"وفي هذا من الرحمة بهم والتيسير عليهم ما لا يخفى، وذلك حتى يأخذ كل واحد منهم حاجته من الطعام، بلا عنت، أو مشقة، ولاسيما وقد أصابتهم مخمصة شديدة ..
4 -فضيلة جابر بن عبد الله - رضي الله عنه-، وكمال محبته للنبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث لم يتمالك نفسه وهو يرى ما بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من المخمصة والجوع، حتى سعى في إزالة ذلك، ومدافعته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بكل ما يملك في بيته.
5 -فضل الصحابة - رضي الله عنهم-، وكمال صبرهم على ما وقع لهم من الخوف والجوع، وغير ذلك من صنوف الابتلاءات، حتى فازوا بتزكية الله تعالى لهم، ورضاه عنهم.
6 -فضل زوجة جابر بن عبد الله، واسْمهَا سُهَيْلَة بِنْت مَسْعُود الْأَنْصَارِيَّة - رضي الله عنها-، وإعانتها لزوجها على الخير والمعروف، وسماحة نفسها في بذل ما في بيتها رجاء ثواب الله، ونصرة لرسوله - صلى الله عليه وسلم -. وقد كان ما صدر منها من عتاب لجابر - رضي الله عنه- في أول الأمر لكمال حيائها أن يقصر الطعام عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الصحابة، فَلَمَّا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ أَعْلَمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سَكَنَ مَا عِنْدَهَا؛ لِعِلْمِهَا بِإِمْكَانِ خَرْقِ الْعَادَة، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُفُورِ عَقْلِهَ، وَكَمَالِ فَضْلِهَا.
7 -على المسلم أن يتأسى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فيصبر على ما يصيبه في ذات الله من الابتلاءات والشدائد، ويوقن أن ما عند الله خير وأبقى، وأنه لا يوصل إلى النعيم إلا على جسر من التعب، كما أن عليه أن يكثر من سؤال الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة.