بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» متفق عليه [1]
1554. عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأنْصَارِ قَالُوا: يَوْمَ حُنَيْنٍ، حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ، يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَحُدِّثَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،مِنْ قَوْلِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟"فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الْأَنْصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَايِنَا، يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ، قَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ، يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ، أَتَأَلَّفُهُمْ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللهِ؟ فَوَاللهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ» فَقَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ رَضِينَا، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ» قَالُوا: سَنَصْبِرُ"متفق عليه [2] .
(1) الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 402) 3150 - 1125 - [ش أخرجه مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام رقم 1062. (آثر أناسا) اختارهم وخصهم بشيء عن غيرهم. (القسمة) أي قسمة الغنيمة. (رجل) قيل هو معتب بن قشير وهو من المنافقين]
(2) إرشاد الحيران فيما اتفق عليه الشيخان مع الشرح (ص: 1180) 712. (1059) أخرجه البخاري في: 57 كتاب فرض الخمس: 19 باب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه (بخاري:3147) [ش (حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء) أي حين جعل الله من أموالهم ما جعله فيئا على رسوله وهو من الغنيمة مالا تلحقه مشقة وهوازن قبيلة (في قبة من آدم) القبة من الخيام بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب ومن أدم معناه من جلود وهو جمع أديم بمعنى الجلد المدبوغ ويجمع أيضا على أدم (أتألفهم) أي أستميل قوبهم بالإحسان ليثبتوا على الإسلام رغبة في المال وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعطي المؤلفة من الصدقات وكانوا أشراف العرب فمنهم من كان يعطيه دفعا لأذاه ومنهم من كان يعطيه طمعا في إسلامه وإسلام نظرائه وأتباعه ومنهم من كان يعطيه ليثبت على إسلامه لقرب عهده بالجاهلية (رحالكم) أي منازلكم (أثرة شديدة) فيها لغتان أحداهما ضم الهمزة وإسكان الثاء وأصحهما وأشهرهما بفتحهما جميعا والأثرة الاستئثار بالمشترك أي يستأثر عليكم ويفضل عليكم غيركم بغير حق]
ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح فوائد نفيسة استخلصها من هذه الحادثة وما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأنصار، وما قالوا له، أذكرها لعظيم نفعها، وجزالة معانيها، ولما احتوته في طياتها من الخير العظيم، قال رحمه الله: وفِي الحَدِيث مِنَ الفَوائِد غَير ما تَقَدَّمَ إِقامَة الحُجَّة عَلَى الخَصم وإِفحامه بِالحَقِّ عِند الحاجَة إِلَيهِ، وحُسن أَدَب الأَنصار فِي تَرَكَهُم المُماراة، والمُبالَغَة فِي الحَياء، وبَيان أَنَّ الَّذِي نُقِلَ عَنهُم إِنَّما كانَ عَن شُبّانهم لا عَن شُيُوخهم وكُهُولهم.
وفِيهِ مَناقِب عَظِيمَة لَهُم لِما اشتَمَلَ مِن ثَناء الرَّسُول البالِغ عَلَيهِم، وأَنَّ الكَبِير يُنَبِّه الصَّغِير عَلَى ما يَغفُل عَنهُ، ويُوضِّح لَهُ وجه الشُّبهَة لِيَرجِع إِلَى الحَقّ.
وفِيهِ المُعاتَبَة واستِعطاف المُعاتِب وإِعتابه عَن عَتبه بِإِقامَةِ حُجَّة مَن عَتَبَ عَلَيهِ، والاعتِذار والاعتِراف.
وفِيهِ عَلَم مِن أَعلام النُّبُوَّة لِقَولِهِ:"سَتَلقَونَ بَعدِي أُثرَة"فَكانَ كَما قالَ.
وقَد قالَ الزُّهرِيُّ فِي رِوايَته عَن أَنَس فِي آخِر الحَدِيث"قالَ أَنَس: فَلَم يَصبِرُوا".
وفِيهِ أَنَّ لِلإِمامِ تَفضِيل بَعض النّاس عَلَى بَعض فِي مَصارِف الفَيء، وأَنَّ لَهُ أَن يُعطِي الغَنِيّ مِنهُ لِلمَصلَحَةِ. وأَنَّ مَن طَلَبَ حَقّه مِنَ الدُّنيا لا عَتَبَ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ. ومَشرُوعِيَّة الخُطبَة عِند الأَمر الَّذِي يَحدُث سَواء كانَ خاصًّا أَم عامًّا.
وفِيهِ جَواز تَخصِيص بَعض المُخاطَبِينَ فِي الخُطبَة.
وفِيهِ تَسلِيَة مَن فاتَهُ شَيء مِنَ الدُّنيا مِمّا حَصَلَ لَهُ مِن ثَواب الآخِرَة، والحَضّ عَلَى طَلَب الهِدايَة والأُلفَة والغِنَى، وأَنَّ المِنَّة لِلَّهِ ورَسُوله عَلَى الإِطلاق، وتَقدِيم جانِب الآخِرَة عَلَى الدُّنيا، والصَّبر عَمّا فاتَ مِنها لِيَدَّخِر ذَلِكَ لِصاحِبِهِ فِي الآخِرَة، والآخِرَة خَير وأَبقَى. (1) .المفصل في السيرة النبوية (ص: 2240) وفتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (8/ 52)