473.قَالَ أَبُو إِدْرِيسَ الخَوْلاَنِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، يَقُولُ: كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ، فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ» قَالَ: وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الخَبَرَ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي، إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ:"غَامَرَ: سَبَقَ بِالخَيْرِ"البخاري [1]
(1) صحيح البخاري (6/ 59) (4640) [ش (محاورة) مجادلة ومجاوبة. (غامر) سبق بالخير وزاحم فيه وخاصم من أجله]
[ش (أن يقول ربي الله) لأنه يقول ذلك ويدعوكم إليه. (الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة على صدقه.(ربكم) خالقكم ورازقكم وهو الله سبحانه وتعالى]
هذه الحادثة يؤخذ منها فوائد متعددة فمن هذه الفوائد:
1.فضل الصديق - رضي الله تعالى عنه- ومكانته في الإسلام: فهو السابق إلى الإسلام، وأكثر من نفع الدعوة على الإطلاق، واسى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأهله، وماله، ونفسه، وهو الذي دفع ماله كله في سبيل الله، وهو الذي حمى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة وكان يدعوا إلى الله وأسلم على يده عدد من كبار الصحابة - رضي الله عنهم - وهو الوزير الأول للنبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحب الرأي الأعظم بعد النبي - صلى لله عليه وسلم - وهو أفضل الأمة بعد النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو خليفته من بعده، وهو الذي تصدى للمرتدين لمّا غمّي الأمر على عدد من الناس بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام بالأمر بعده وقف ذلك الموقف المشهود.
وكان أفقه الصحابة لما مات - عليه الصلاة والسلام- واضطرب الأمر عندما تلى عليهم قول الله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] وقوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] فكأن الناس سمعوها لأول مرة، فعلم الناس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات (2) .
وهو الذي قال في قتال المرتدين في ذلك الموقف العظيم ...
وهو الذي أنقذ المسلمين في سقيفة بني ساعدة من التفرق والتمزق - رضي الله عنه- وهو الذي استتب بسببه الأمر لما كفر العرب أجمعون إلا أهل المدينة، ومكة، طائفة قليلة من العرب، وبدأ في عهده التجهيز لغزو فارس والروم. وهو أحب الرجال إلى النبي - عليه الصلاة والسلام- وبنته أحب النساء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فحصل أنه حدث بينه وبين عمر هذه الخصومة (. .
والفائدة الثانية: أن الفاضل لا ينبغي له أن يغاضب من هو أفضل منه: وينبغي أن يحفظ له حقه، وأن الشخص الفاضل ينبغي أن يكون له مكانه في المجتمع، ولا يرد عليه، ولا يمنع طلبه، وإنما يعطى حقه ويلبي حاجته وطلبه، لفضله ومكانته.
3.جواز مدح المرء في وجهه إذا أمنت الفتنة: فإن الأصل عدم جواز مدح المرء في وجهه، ولكن إذا أمنت الفتنة جاز ذلك، كما مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر في محضر من الصحابة لما علم الله أن أبا بكر من الأتقياء الذين لا يغترون بالمدح والثناء. والنبي - صلى الله عليه وسلم - صاحب الوحي هو الذي مدح الصديق في حضرة الصحابة، فإذا أمن الافتتان والاغترار على الشخص جاز مدحه للمصلحة؛ كبيان فضله حتى يعطى حقه، ولا يعتدى عليه، ويتجرأ عليه الناس.
4.أن الغضب يحمل الإنسان على ارتكاب خلاف الأولى، وترك الأفضل أو ترك ما ينبغي فعله في ذلك الموقف، فيصرف الإنسان عن الرؤية الصحيحة، فلا يتخذ الموقف الصحيح.
5.أن الفاضل في الدين يسرع الرجوع إلى الحق: فإن الناس يخطئون، والصحابة بشر يخطئون، ولكن ما هو الفرق بيننا وبين الصحابة؟ الفرق أن الصحابة أخطائهم معدودة، ولكن إذا أخطئوا سرعان ما يرجعون إلى الصواب - رضي الله تعالى عنهم- فالمشكلة حصلت بين أبي بكر وعمر، فبسرعة رجع أبو بكر وبسرعة رجع عمر، فندم أبو بكر ليس بعدها بساعات طويلة وأيام أو شهور؛ وإنما ندم مباشرة فرجع إلى بيت عمر، ولما أخطأ عمر ولم يقبل اعتذار أبي بكر ندم عمر بسرعة، وذهب إلى بيت الصديق. وهذه الميزة وهي سرعة الرجوع إلى الحق هي التي ميزت أولئك القوم حتى صاروا أفضل الأمة، واختارهم الله لصحبة نبيه، ونصرة دينه، والجهاد مع نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعايشة نزول الوحي، فهم أنصاره ووزراءه - رضي الله عنهم- وهم أفقه الأمة وأعلمها بالحلال والحرام، وأبرها قلوبًا - رضي الله تعالى عنهم- ولا يبغضهم إلا منافق ولا يسبهم إلا ملعون.
وفي أبي بكر وعمر ينطبق قول الله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] .فهؤلاء المتقون إذا مسهم طائف من الشيطان من غضب أو خصومة أو سوء تفاهم فسرعان ما يتذكرون، فيرجعون إلى الصواب والحق، فإذا هم مبصرون.
فالصحابة بشر يخطئون وهل هناك أعظم وأفضل من أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما- بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟! ومع ذلك حصل منهم ما يحصل من البشر من سوء التفاهم. فهم بشر يقع منهم الخطأ وليسوا ملائكة، ولكنهم راجعين إلى الحق.
6.استحباب سؤال الاستغفار والتحلل من المظلوم: فإن الإنسان إذا ظلم أخاه, أو تعدى عليه, أو أساء إليه, أو أخطأ في حقه، فإن المندوب له أن يأتيه، ويطلب منه أن يستغفر له، وأن يتحلل من هذا المظلوم. ويقول له:"سامحني حللني استغفر لي تجاوز عني"ونحو ذلك، فمن كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، ولكن بالحسنات والسيئات.