1417. عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ:"لَمَّا نَزَلَتِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68] قَالَ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ: قَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَدَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] ، فَهَذِهِ لِأُولَئِكَ"، قَالَ:"وَأَمَّا الَّتِي فِي النِّسَاءِ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] الْآيَةَ"، قَالَ: «الرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ لَا تَوْبَةَ لَهُ» ، فَذَكَرْتُ هَذَا لِمُجَاهِدٍ، فَقَالَ: «إِلَّا مَنْ نَدِمَ» أبو داود [1] ..
1418. عَنْ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَوْ قَالَ: حَدَّثَنِي الحَكَمُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى، قَالَ: سَلْ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَا أَمْرُهُمَا {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ} [الأنعام: 151] ، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93] فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ:"لَمَّا أُنْزِلَتِ الَّتِي فِي الفُرْقَانِ، قَالَ: مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ: فَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَدَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَقَدْ أَتَيْنَا الفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ} [مريم: 60] . الآيَةَ، فَهَذِهِ لِأُولَئِكَ، وَأَمَّا الَّتِي فِي النِّسَاءِ: الرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ الإِسْلاَمَ وَشَرَائِعَهُ، ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ"، فَذَكَرْتُهُ لِمُجَاهِدٍ فَقَالَ: «إِلَّا مَنْ نَدِمَ» البخاري [2]
(1) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 956) 4273 - أخرجه البخاري (3855) ، ومسلم (3023)
قال مكي بن أبي طالب في"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه"ص 233 - 249: النسخ في آية الفرقان لا يحسُن لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ بإجماع؛ لأن الخبر لو نسخ لكان قد أتي به على غير ما هو به من الصدق، ويتعالى الله عن ذلك علوَّا كبيرا، فالآيتان محكمتان، وآية النساء في القتل محمولة على أحد ثلاثة معانٍ قد قالها العلماء، ملخصها:
1 -أن هذا جزاؤه إن جازاه، قال مكي: وهذا هو مذهب أهل السنة في الوعد والوعيد، فهي محكمة.
2 -أن يكون معى الآية: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا مستحلًا لقتله، ولا يستحل ما حرم اللهُ إلا كافر، والكافر مُخلَّد في النار بإجماع إذا مات على كفره.
3 -أنه قيل: إنها نزلت في رجل بعينه من الأنصار قُتِل له وليٌّ فقبل الدية، ثم وثب فقتل القاتل بعد أخذه للدية وارتد، وقد قيل: إنها نزلت في رجل أسلم، ثم ارتد وقتل رجلًا مسلمًا مستحلًا لقتله، وهو معى القول الذي قبله.
ثم قال مكي: والذي يوجبه النظر وعليه أكثر أهل العلم أن الثلاث الآيات محكمات لانسخ في شيء منها.
ثم قال: وإذا كانت كذلك فتوبة القاتل متعمدًا جائزة، واستدل مكي لذلك بأدلة من القرآن فانظره.
وقال الحافظ في"الفتح"8/ 496: وقد حمل جمهور السلف، وجميع أهل السنة ما ورد من ذلك على التغليظ وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} أي: إن شاء أن يجازيه تمسكا بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] ، ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم أتى تمام المئة، فقال له: لا توبة، فقتله فأكمل به مئة، ثم جاء آخر، فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة الحديث، وهو مشهور، وسيأتي في الرقاق واضحًا [بل سلف برقم (3470) ] ، وإذا ثبت ذلك لِمن قُبِلَ من غير هذه الأمة، فمثله لهم أولى، لما خفف اللهُ عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم. وانظر لزامًا"نواسخ القرآن"ص 288 - 295 لابن الجوزي.
(2) صحيح البخاري (5/ 45) (3855) [ش (التي في الفرقان) وهي لا تقتلوا ... واللفظ هكذا في الرواية والآية في التلاوة بتمامها والتي بعدها {والذين يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا} / الفرقان 68، 69 /. (أثاما) عقوبة على فعله. (يخلد) يبقى باستمرار أو إلى أمد طويل حسب جريمته واعتقاده. (مهانا) ذليلا. (قال مشركو مكة. .) أي فلا يقبل منا توبة. (الآية) وتتمتها {وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} . / الفرقان 70 /. (لأولئك) أي نزلت في حق المشركين وجوابا لهم وبيانا أن الإسلام يسقط ما قبله من ذنب. (التي في النساء) وهي بتمامها {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} / النساء 93 /. (متعمدا) قاصدا قتله بغير حق. (خالدا فيها) لا يخرج منها إن استحل قتله ويبقى فيها طويلا إن اعتقد حرمته. (لعنه) أبعده من رحمته ودخول جنته. (عرف الإسلام) أي أسلم وعرف حرمة قتل النفس في الإسلام. (من ندم) أي فلا يخلد في النار إن عذب فيها]