يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة:96] ،قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ مِمَّا خُلِّفْنَا، تَخَلُّفَنَا عَنِ الْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا، عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ"متفق عليه [1] "
(1) إرشاد الحيران فيما اتفق عليه الشيخان مع الشرح (ص: 3333) 1921. (2769) أخرجه البخاري في: 64 كتاب المغازي: 79 باب حديث كعب بن مالك وقول الله عز وجل (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) [ش (ليلة العقبة) هي الليلة التي بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنصار فيها على الإسلام وأن يؤووه وينصروه وهي العقبة التي في طرف منى التي يضاف إليها جمرة العقبة وكانت بيعة العقبة مرتين في سنتين في السنة الأولى كانوا اثني عشر وفي الثانية سبعين كلهم من الأنصار رضي الله عنهم (تواثقنا على الإسلام) أي تبايعنا عليه وتعاهدنا (وإن كانت بدر أذكر) أي أشهر عند الناس بالفضيلة (ومفازا) أي برية طويلة قليلة الماء يخاف فيها الهلاك (فجلا للمسلمين أمرهم) أي كشفه وبينه وأوضحه وعرفهم ذلك على وجهه من غير تورية يقال جلوت الشيء كشفته (ليتأهبوا أهبة غزوهم) أي ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك (فأخبرهم بوجههم) أي بمقصدهم (فقل رجل يريد أن يتغيب الخ) قال القاضي هكذا هو في جميع نسخ مسلم وصوابه إلا يظن أن ذلك سيخفى له بزيادة إلا وكذا رواه البخاري (فأنا إليها أصعر) أي أميل (وتفارط الغزو) أي تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا (مغموصا عليه في النفاق) أي متهما به (حتى بلغ تبوكا) هو في أكثر النسخ تبوكا بالنصب وكذا هو في نسخ البخاري وكأنه صرفها لإرادة الموقع دون البقعة (والنظر في عطفيه) أي جانبيه وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه (مبيضا) هو لابس البياض ويقال هم المبيضة والمسودة أي لابسوا البياض والسواد (يزول به السراب) أي يتحرك وينهض والسراب هو ما يظهر للإنسان في الهواجر في البراري كأنه ماء (كن أبا خيثمة) قيل معناه أنت أبو خيثمة قال ثعلب العرب تقول كن زيدا أي أنت زيد قال القاضي عياض والأشبه عندي أن كن هنا للتحقق والوجود أي لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب وهو معنى قول صاحب التحرير تقديره اللهم اجعله أبا خيثمة (لمزه المنافقون) أي عابوه واحتقروه (توجه قافلا) أي راجعا (حضرني بثي) هو أشد الحزن (أظل قادما) أي أقبل ودنا قدومه كأنه ألقى علي ظله (زاح) أي زال (فأجمعت صدقة) أي عزمت عليه يقال أجمع أمره وعلى أمره وعزم عليه بمعنى (أعطيت جدلا) أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إلي إذا أردت (ليوشكن) أي ليسرعن (تجد علي فيه) أي تغضب (إني لأرجو فيه عقبى الله) أي أن يعقبني خيرا وأن يثيبني عليه (يؤنبونني) أي يلومونني أشد اللوم (العامري) هكذا هو في جميع نسخ مسلم العامري وأنكره العلماء وقالوا هو غلط إنما صوابه العمري من بني عمرو بن عوف وكذا ذكره البخاري وكذا نسبه محمد بن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما من الأئمة قال القاضي هو الصواب (أيها الثلاثة) قال القاضي هو بالرفع وموضعه نصب على الاختصاص قال سيبويه نقلا عن العرب اللهم اغفر لنا أيتها العصابة وهذا مثله (فما هي بالأرض التي أعرف) معناه تغير علي كل شيء حتى الأرض فإنها توحشت علي وصارت كأنها أرض لم أعرفها بتوحشها علي (فاستكانا) أي خضعا (أشب القوم وأجلدهم) أي أصغرهم سنا وأقواهم (حتى تسورت) معنى تسورته علوته وصعدت سوره وهو أعلاه (أنشدك بالله) أي أسألك بالله وأصله من النشيد وهو الصوت (نبطي من نبط أهل الشام) يقال النبط والأنباط والنبيط وهم فلاحو العجم (مضيعة) فيها لغتان إحداهما مضيعة والثانية مضيعة أي موضع وحال يضيع فيه حقك (نواسك) وفي بعض النسخ نواسيك بزيادة ياء وهو صحيح أي ونحن نواسيك وقطعه عن جواب الأمر ومعناه نشاركك فيما عندنا (فتياممت) هكذا هو في جميع النسخ ببلادنا وهي لغة في تيممت ومعناها قصدت (فسجرتها) أي أحرقتها وأنث الضمير لأنه أراد معنى الكتاب وهو الصحيفة (واستلبث الوحي) أي أبطأ (وضاقت علي الأرض بما رحبت) أي بما اتسعت ومعناه ضاقت علي الأرض مع أنها متسعة والرحب السعة (أوفى على سلع) أي صعده وارتفع عليه وسلع جبل بالمدينة معروف (فآذن الناس) أي أعلمهم (أتأمم) أي أقصد (فوجا فوجا) الفوج الجماعة (أن أنخلع من مالي) أي أخرج منه وأتصدق به (أبلاه الله) أي أنعم عليه والبلاء والإبلاء يكون في الخير والشر لكن إذا أطلق كان للشر غالبا فإذا أريد الخير قيد كما قيد هنا فقال أحسن مما أبلاني (أن لا أكون كذبته) هكذا هو في جميع نسخ مسلم وكثير من روايات البخاري قال العلماء لفظة لا في قوله أن لا أكون زائدة ومعناه أن أكون كذبته كقوله تعالى ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك (وإرجاؤه أمرنا) أي تأخيره]
أمثلة حية للتوبة وقبولها فقاتل المائة نفس قبلت توبته بدون جهد وبدون عمل صالح والمخلفون الثلاثة قبلت توبتهم بعد جهاد نفسي وعقوبة دنيوية قاسية وأيام مريرة
ذلك ليجمع المسلم بين الخوف والرجاء لا يطمع طمع اغترار بناء على قاتل المائة وإنما يخاف ويعمل ويندم ويعزم ويكفر عن ذنوبه بالحسنات
وهنا مثال حي آخر للقائد الحكيم نرى فيه الرسول الرءوف الرحيم الذي يعز عليه عنتنا ومشقتنا الحريص على يسرنا يحزم بوحي من ربه ويعاقب عقوبات نفسية مادية قاسية
ومثال حي آخر أن الفتنة والابتلاء قد تصيب من لم يذنب إيلاما للمذنب فقد جوزيت الزوجات بجريرة الأزواج
ومثال حي كبير في التزام الرعية بحكم الحاكم وتنفيذه بدقة ولو كان فيه ما فيه لآلام الأحبة والأقربين ونكتفي بذلك اعتمادا على البيان والتوضيح الآتي في شرح الحديث
- [يؤخذ من الحديث فوق ما تقدم] -
1 -التصريح بجهة الغزو إذا لم تقتض المصلحة ستره
2 -وأن الإمام إذا استنفر الجيش عموما لزمهم النفير ولحق اللوم بكل فرد فرد أن لو تخلف قال السهيلي إنما اشتد غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين لأنهم بايعوا على ذلك فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة لأنها كالنكث لبيعتهم قال الحافظ ابن حجر وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويؤيده قوله تعالى {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} [التوبة 120] وعلى هذا فيتوجه العتاب على من تخلف مطلقا
3 -وفيه أن العاجز عن الخروج بنفسه أو بماله لا لوم عليه
4 -وفيه ترك قتل المنافقين
8 -وجواز مدح المرء نفسه بما فيه من خير إذا أمن الفتنة
9 -وفضيلة أهل بدر والعقبة
10 -والحلف للتأكيد من غير استحلاف
11 -وفيه أن المرء إذا لاحت له فرصة الطاعة فحقه أن يبادر إليها ولا يسوف بها لئلا يحرمها قال تعالى {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال 24]
12 -وجواز تمني ما فات من الخير
13 -وفي طعن الرجل في كعب وعدم رد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن عن حمية لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -
14 -وجواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد وهم الطاعن أو غلطه قال النووي فيه دليل لرد غيبة المسلم الذي ليس بمتهتك في الباطل وهو من مهمات الآداب وحقوق الإسلام
15 -وفيه أن المستحب للقادم أن يكون على وضوء
16 -وأن يبدأ بالمسجد قبل بيته فيصلي
17 -ومشروعية السلام على القادم وتلقيه
18 -وفي معاملة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمنافقين المتخلفين الحكم بالظاهر ووكول السرائر إلى الله تعالى
19 -وفيه ترك السلام على من أذنب
20 -وأن الإمام لا يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور بل يذكره ليراجع التوبة
21 -وأن التبسم قد يكون عن غضب كما يكون عن تعجب ولا يختص بالسرور
22 -وفيه معاتبة الكبير أصحابه ومن يعز عليه دون غيره
23 -وفيه الحزم والإغلاظ في اللوم للمصلحة
24 -وفيه العمل بمفهوم اللقب إذا حفته قرينة لقوله - صلى الله عليه وسلم - لما حدثه كعب"أما هذا فقد صدق"فإنه يشعر بأن من سواه كذب لكن ليس على عمومه في حق كل أحد سواه لأن صاحبيه قد صدقا كذلك ففيه إشارة إلى كذب من اعتذر لا من اعترف
25 -وفيه تبرير حر المصيبة بالتأسي بالنظير لراحة كعب حين ذكر صاحباه
26 -وفيه عظم مقدار الصدق في القول والفعل وحسن عاقبته
27 -وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به
28 -وجواز هجر المسلم أكثر من ثلاثة أيام لمصلحة وسبب وفيه استحباب هجران أهل البدع والمعاصي الظاهرة وترك السلام عليهم ومقاطعتهم تحقيرا لهم وزجرا
29 -وأن من عوقب بالهجر يعذر في التخلف عن صلاة الجماعة لأن مرارة وهلالا لم يخرجا من بيتيهما تلك المدة
30 -وفيه سقوط وجوب رد السلام على المهجور إذ لو كان واجبا لم يقل كعب هل حرك شفتيه برد السلام
31 -وفيه جواز دخول المرء دار جاره وصديقه بغير إذنه ومن غير الباب إذا علم رضاه وإذا لم يكن هناك كشف حرمة
32 -وفيه أن قول الله ورسوله أعلم ليس بخطاب ولا كلام مع المهجور ولا يحنث به من حلف أن لا يكلم الآخر إذا لم ينوبه مكالمته وإنما قال أبو قتادة ذلك لما ألح عليه كعب وأن السلام كلام وأن من حلف لا يكلم إنسانا فسلم عليه أو رد عليه السلام حنث
33 -وفيه مبالغة الصحابة في اتباع الأوامر واجتناب النواهي فقد جعل الناس يشيرون إلى كعب لرسول ملك غسان ولا يتكلمون وكان بمقدورهم أن يقولوا هذا هو ولا يكون هذا تكليما له
34 -وفيه أن مسارقة النظر في الصلاة لا يقدح في صحتها
35 -وإيثار طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على مودة القريب
36 -وجواز ترك وطء الزوجة مدة
37 -وخدمة المرأة زوجها
38 -وفي إرسال كعب زوجته إلى أهلها الاحتياط لمجانبة ما يخشى الوقوع فيه وأن عبارة الحقي بأهلك ليس صريحا في الطلاق
39 -وفي تحريق كعب لرسالة ملك غسان جواز تحريق ما فيه اسم الله للمصلحة إذ كان في الورقة"لم يجعلك الله بدار هوان"
40 -وفيه دليل للشافعي وموافقيه في استحباب سجود الشكر بكل نعمة ظاهرة حصلت أو نقمة ظاهرة اندفعت قاله النووي وفيه نظر إذ ما حصل كان من أعظم النعم
41 -وفيه استحباب إجازة البشير بخلعة
42 -وجواز العارية وإعارة الثوب للبسه
43 -وفي استقبال طلحة لكعب استحباب مصافحة القادم والقيام له إكراما والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحا
44 -وفيه استحباب الصدقة شكرا للنعم المتجددة لا سيما ما عظم منها
45 -ومن قوله عن الثوبين"والله ما أملك غيرهما"في حين أنه كان يملك راحلتين وبيتا وسهم خيبر دليل على تخصيص اليمين بالنية قال النووي وهو مذهبنا فإذا حلف لا مال له ونوى نوعا لم يحنث بنوع آخر من المال أو حلف لا يأكل ونوى تمرا لم يحنث بالخبز
46 -واستحباب بكاء المسلم على نفسه إذا وقعت منه معصية
47 -واستحباب التبشير بالخير
48 -واستحباب تهنئة من رزقه الله خيرا ظاهرا أو صرف عنه شرا ظاهرا
49 -واستحباب سرور الإمام وكبير القوم بما يسر أصحابه وأتباعه
50 -واستحباب اجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة
51 -وأنه يستحب لمن تاب بسبب من الخير أن يحافظ على ذلك السبب كما فعل كعب في الصدق
والله أعلم. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (10/ 342)