407.عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الخُزَاعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ: كُلُّ عُتُلٍّ، جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ"متفق عليه [1] .
408.عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا» متفق عليه [2] .
(1) شرح تهذيب صحيح البخاري (علي بن نايف الشحود(1 - 10) (8/ 331) 187. *- (بخاري:4918) [ش أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب النار يدخلها الجبارون رقم 2853 (متضعف) بكسر العين متواضع لين هين وروي بفتح العين أي يستضعفه الناس ويحتقرونه. (أقسم) حلف يمينا طمعا في كرم الله تعالى. (لأبره) لحقق له ما أقسم عليه ولأجاب طلبه ودعاءه. (جواظ) شديد الصوت في الشر متكبر مختال في مشيته]
(2) شرح تهذيب صحيح البخاري (علي بن نايف الشحود(1 - 10) (8/ 333) 188. *- (بخاري:4919) صحيح مسلم: 183 [ش (ساقه) الله تعالى أعلم بهذا مع اعتقادنا بتنزيه الله تعالى عما يشابه المخلوقات وللعلماء المحققين تأويلات لمثل هذه المتشابهات لا تخرج عن قواعد الشريعة وأصول الدين منها ما ذكر في شرح الآية السابقة ومنها أن المراد بالساق نور عظيم يكشف عنه سبحانه يوم القيامة وغير ذلك. (رياء) مراءاة للناس أي ليروه ويثنوا عليه. (سمعة) يسمع به الناس ويذيعوا صيته. (طبقا واحدا) كالصحيفة الواحدة فلا ينثني للسجود ولا يقدر عليه]
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا تَهَيَّبَ الْقَوْلَ فِيهِ شُيُوخُنَا، فَأَجَرَوْهُ عَلَى ظَاهَرِ لَفْظِهِ، وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْ بَاطِنِ مَعْنَاهُ، عَلَى نَحْوِ مَذْهَبِهِمْ فِي التَّوَقُّفِ عَنْ تَفْسِيرِ كُلِّ مَا لَا يُحِيطُ الْعِلْمُ بِكُنْهِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: عَنْ شِدَّةٍ وَكَرْبٍ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «يَوْمَ يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ» . أَيْ عَنْ قَدْرَتِهِ الَّتِي تَنْكَشِفُ عَنِ الشِّدَّةِ وَالْمَعَرَّةِ"الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 182)
(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ) ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: مَذْهَبُ أَهْلِ السَّلَامَةِ مِنَ السَّلَفِ التَّوَرُّعُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْقَوْلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْأَمْثَلُ وَالْأَحْوَطُ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْكَشْفَ عَنِ السَّاقِ مَثَلٌ فِي شِدَّةِ الْأَمْرِ، وَصُعُوبَةِ الْخَطْبِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهَا شَائِعٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي وَمِنْ إِشْفَاقِهَا ... وَمِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أَرْزَاقِهَا
فِي سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] أَيْ: عَنْ شِدَّةٍ، وَتَنْكِيرُ السَّاقِ فِي الْآيَةِ مِنْ دَلَائِلِ هَذَا التَّاوِيلِ، وَوَجْهُ تَعْرِيفِ السَّاقِ فِي الْحَدِيثِ دُونَ الْآيَةِ أَنْ يُقَالَ: أَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا الشِّدَّةُ الَّتِي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ اهـ. وَعِنْدَ الْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ: هُوَ يَوْمُ كَرْبٍ وَشِدَّةٍ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَعْنَى يَكْشِفُ عَنْ قُدْرَتِهِ الَّتِي تَكْشِفُ عَنِ الشِّدَّةِ وَالْكَرْبِ. وَقِيلَ: الْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يَمُوتَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِ النَّاقَةِ، فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي رَحِمِهَا، فَيَاخُذُ بِسَاقِهِ لِيُخْرِجَهُ، فَهَذَا هُوَ الْكَشْفُ عَنِ السَّاقِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ أَمْرٍ فَظِيعٍ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً، وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَاخُذُهُمْ بِالشَّدَائِدِ، كَمَنْ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ بِالتَّشْمِيرِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي أَمْرٍ خَطِيرٍ. (فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ) أَيْ: مِنْ كَمَالِ الشِّدَّةِ يَقَعُونَ فِي السَّجْدَةِ طَالِبِينَ رَفْعَهَا بِتِلْكَ الْقُرْبَةِ، وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ «عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] قَالَ:"عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ فَيَخْرُجُونَ لَهُ سُجَّدًا» "فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَعَالَى يَتَجَلَّى لِلنَّاسِ تَجَلِّيًا صُورِيًّا، وَبِهَذَا يَنْحَلُّ الْإِشْكَالُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ الْخُلَّصُ مِنْهُمَا ; وَلِذَا قَالَ: (وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً) أَيْ: نِفَاقًا وَشُهْرَةً (فَيَذْهَبُ) أَيْ: يَقْصِدُ وَيَشْرَعُ (لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ) أَيْ: يَصِيرُ (ظَهْرُهُ، طَبَقًا وَاحِدًا) أَيْ: عَظْمًا بِلَا مَفْصِلٍ ; بِحَيْثُ لَا يَنْثَنِي عِنْدَ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ فَلَا يَقْدِرُ، وَالطَّبَقُ: فَقَارُ الظَّهْرِ وَاحِدُهُ طَبَقَةٌ، يَعْنِي صَارَ فَقَارُهُ وَاحِدًا ; فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْحِنَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى يَكْشِفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ شِدَّةٍ يَرْتَفِعُ دُونَهَا سَوَاتِرُ الِامْتِحَانِ ; فَيَتَمَيَّزُ أَهْلُ الْإِخْلَاصِ وَالْإِيقَانِ بِالسُّجُودِ، عَنْ أَهْلِ الرَّيْبِ وَالنِّفَاقِ فِي الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ - خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم: 42 - 43] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ. قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ لِمُوَافَقَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3519)