تَرَكْتُ وَلَدِي بِالْمَدِينَةِ؟ أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ» وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ؟ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَعْذِرَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا، وَاللهِ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ، سَائِرَ الْيَوْمِ"مُسْلِمٌ [1] "
230.عن نَافِعٍ، قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَائِدٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا أَغْضَبَهُ، فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ، فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: رَحِمَكَ اللهُ مَا أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَائِدٍ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا؟» مسلم [2]
231.عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَحْلِفُ بِاللهِ أَنَّ ابْنَ صَائِدٍ الدَّجَّالُ، فَقُلْتُ: أَتَحْلِفُ بِاللهِ؟ قَالَ: «إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -» مسلم [3]
232.عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ نَافِعٌ يَقُولُ: ابْنُ صَيَّادٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقِيتُهُ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَلْ تَحَدَّثُونَ أَنَّهُ هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ قَالَ: قُلْتُ: كَذَبْتَنِي، وَاللهِ لَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُكُمْ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَكُمْ مَالًا وَوَلَدًا، فَكَذَلِكَ هُوَ زَعَمُوا الْيَوْمَ، قَالَ: فَتَحَدَّثْنَا ثُمَّ فَارَقْتُهُ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ لَقْيَةً أُخْرَى وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: قُلْتُ: لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَاسِكَ؟ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ، قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعْتُ، قَالَ: فَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِي أَنِّي ضَرَبْتُهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعِيَ حَتَّى تَكَسَّرَتْ، وَأَمَّا أَنَا فَوَاللهِ مَا شَعَرْتُ، قَالَ: وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَحَدَّثَهَا، فَقَالَتْ: مَا تُرِيدُ إِلَيْهِ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبٌ يَغْضَبُهُ» مُسْلِمٌ [4] .
(1) صحيح مسلم (4/ 2242) 91 - (2927) [ش (بعس) هو القدح الكبير وجمعه عساس وأعساس (تبا لك سائر اليوم) أي خسرانا وهلاكا لك باقي اليوم وهو منصوب بفعل مضمر متروك الإظهار]
(2) اختصار صحيح مسلم مع المتفق عليه (ص: 817) (2932) (فانتفخ حتى ملأ السكة) السكة الطريق وجمعها سكك قال أبو عبيد أصل السكة الطريق المصطفة من النخل قال وسميت الأزقة سككا لاصطفاف الدور فيها]
(3) تهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص: 1027) (2929)
(4) تهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص: 1028) (2932) [ش (فلقيته لقية أخرى) قال القاضي في المشارق رويناه لقية بضم اللام وثعلب يقوله لقيه بالفتح هذا كلام القاضي والمعروف في اللغة والرواية ببلادنا الفتح (نفرت عينه) أي ورمت ونتأت (فنخر كأشد نخير حمار) النخير صوت الأنف]
قال النووي في"شرح مسلم"في ذكر ابن صياد:""قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَقِصَّتُهُ مُشْكِلَةٌ وَأَمْرُهُ مُشْتَبَهٌ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ الْمَشْهُورُ أم غيره ولاشك فِي أَنَّهُ دَجَّالٌ مِنَ الدَّجَاجِلَةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ولاغيره وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِفَاتِ الدَّجَّالِ وَكَانَ فِي بن صَيَّادٍ قَرَائِنُ مُحْتَمِلَةٌ فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لايقطع بأنه الدجال ولاغيره وَلِهَذَا قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ هو بأنه مسلم والدجال كافر وبأنه لايولد للدجال وقد ولدله هو وأن لايدخل مكة والمدينة وان بن صَيَّادٍ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَكَّةَ فَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهِ وَقْتَ فِتْنَتِهِ وَخُرُوجِهِ فِي الْأَرْضِ وَمِنَ اشْتِبَاهِ قِصَّتِهِ وَكَوْنِهِ أَحَدَ) الدَّجَاجِلَةِ الْكَذَّابِينَ قَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ يَاتِيهِ صَادِقٌ وَكَاذِبٌ وَأَنَّهُ يَرَى عَرْشًا فَوْقَ الماء وأنه لايكره أَنْ يَكُونَ هُوَ الدَّجَّالُ وَأَنَّهُ يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ وَقَوْلُهُ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ وَانْتِفَاخُهُ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ وَأَمَّا إِظْهَارُهُ الْإِسْلَامَ وَحَجُّهُ وَجِهَادُهُ وَإِقْلَاعُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي أَنَّهُ غَيْرَ الدَّجَّالِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَمْرِهِ بَعْدَ كِبَرِهِ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ وَقِيلَ لهم اشهدوا قال وكان بن عُمَرَ وَجَابِرٌ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمَا يَحْلِفَانِ أَنَّ بن صياد هو الدجال لايشكان فِيهِ فَقِيلَ لِجَابِرٍ إِنَّهُ أَسْلَمَ فَقَالَ وَإِنْ أَسْلَمَ فَقِيلَ إِنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ فَقَالَ وَإِنْ دَخَلَ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ فقدنا بن صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ وَهَذَا يُعَطِّلُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّ بن صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ وَأَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ باسناد صحيح عن بن عمر أنه كان يقول والله ماأشك أن بن صَيَّادٍ هُوَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَمْرِ بن صياد اختلافا كثيرا هل هو الدجال قال وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرَهُ احْتَجَّ بِحَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ تُوَافِقَ صفة بن صَيَّادٍ صِفَةَ الدَّجَّالِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ بِالدَّجَّالِ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ قطن وليس كما قال وكان أمر بن صَيَّادٍ فِتْنَةً ابْتَلَى اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عِبَادَهُ فَعَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا الْمُسْلِمِينَ وَوَقَاهُمْ شَرَّهَا قَالَ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَكْثَرُ مِنْ سُكُوتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِقَوْلِ عُمَرَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ كَالْمُتَوَقِّفِ فِي أَمْرِهِ ثُمَّ جَاءَهُ الْبَيَانُ أَنَّهُ غَيْرَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ تَمِيمٍ هَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ وَقَدْ اخْتَارَ أَنَّهُ غَيْرَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وعن بن عُمَرَ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ الدَّجَّالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ لَمْ يَقْتُلْهُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَ أَنَّهُ ادَّعَى بِحَضْرَتِهِ النُّبُوَّةَ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الْجَوَابَ وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ فِي أَيَّامِ مُهَادَنَةِ الْيَهُودِ وَحُلَفَائِهِمْ وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ بِهَذَا الْجَوَابِ الثَّانِي قَالَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ كَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِ كتاب صلح على أن لايهاجوا ويتركوا على أمرهم وكان بن صياد منهم أودخيلا فِيهِمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَمَّا امْتِحَانُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا خَبَّأَهُ لَهُ مِنْ آيَةِ الدُّخَانِ فَلِأَنَّهُ كَانَ يَبْلُغُهُ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْكِهَانَةِ وَيَتَعَاطَاهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي الْغَيْبِ فَامْتَحَنَهُ لِيَعْلَمَ حَقِيقَةَ حَالِهِ وَيُظْهِرُ إِبْطَالَ حَالِهِ لِلصَّحَابَةِ وَأَنَّهُ كَاهِنٌ سَاحِرٌ يَاتِيهِ الشَّيْطَانُ فَيُلْقِي عَلَى لِسَانِهِ مَا يُلْقِيهِ الشَّيَاطِينُ إِلَى الْكَهَنَةِ فَامْتَحَنَهُ بِإِضْمَارِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَارْتَقِبْ يَوْمَ تأتى السماء بدخان مبين وَقَالَ خَبَّاتُ لَكَ خَبِيئًا فَقَالَ هُوَ الدُّخُّ أَيِ الدُّخَانُ وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - اخْسَا فَلَنْ تعدو قدرك أى لاتجاوز قَدْرَكَ وَقَدْرَ أَمْثَالِكَ مِنَ الْكُهَّانِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِنْ جُمْلَةٍ كَثِيرَةٍ بِخِلَافِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ يُوحِي اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ مَا يُوحِي فَيَكُونُ وَاضِحًا كَامِلًا وَبِخِلَافِ مَا يُلْهِمُهُ اللَّهُ الْأَوْلِيَاءَ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (شرح النووي على مسلم(18/ 46 ) ) ."
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيّ: وَقَدِ اخْتلف النَّاس فِي أَمر ابْن صياد اخْتِلافا شَدِيدا، وأشكل أمره حَتَّى قِيلَ فِيهِ كُلّ قَوْل، وَقَدْ يسْأَل عَنْ هَذَا، فَيُقَالُ: كَيْفَ يقار رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رجلا يَدعِي النُّبُوَّة كَاذِبًا، ويتركه بِالْمَدِينَةِ يساكنه فِي دَاره، ويجاوره فِيهَا، وَمَا وَجه امتحانه إِيَّاه بِمَا خبأه لَهُ من آيَة الدُّخان، وَقَوله بَعْد ذَلِكَ: «اخْسَا فَلَنْ تعدو قدرك» ؟. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: وَالَّذِي عِنْدِي أَن هَذِهِ الْقِصَّة إِنَّمَا جرت مَعَهُ أَيَّام مهادنة رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْيَهُود وحلفاءهم، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْد مقدمه الْمَدِينَة كتب بَينه وَبينهمْ كتابا صَالحهمْ فِيهِ عَلَى أَن لَا يهاجوا، وَأَن يتْركُوا عَلَى أَمرهم، وَكَانَ ابْن الصياد مِنْهُمْ، أَوْ دخيلا فِي جُمْلَتهمْ، وَكَانَ يبلغ رَسُول اللَّهِ خَبره وَمَا يَدعِيهِ من الكهانة، ويتعاطاه من الْغَيْب، فامتحنوه بِذَلِكَ ليروز بِهِ أمره، ويخبر بِهِ شَانه، فَلَمَّا كَلمه، علم أَنَّهُ مُبْطل، وَأَنه من جملَة السَّحَرَة أَوِ الكهنة، أَو مِمَّن يَاتِيهِ رَئِيٌ من الْجِنّ، أَوْ يتعاهده شَيْطَان، فيلقي عَلَى لِسَانه بَعْض مَا يتَكَلَّم بِهِ، فَلَمَّا سمع مِنْهُ قَوْله الدخ، زبره، فَقَالَ: «اخْسَا فَلَنْ تعدو قدرك» ، يُرِيد أَن ذَلِكَ شَيْء أَلْقَاهُ إِلَيْهِ الشَّيْطَان، وأجراه عَلَى لِسَانه، وَلَيْسَ ذَلِكَ من قبل الْوَحْي السماوي، إِذَ لَمْ يكن لَهُ قدر الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ يُلْهمُون الْعلم، ويصيبون بِنور قُلُوبهم الْحق، وَإِنَّمَا كَانَتْ لَهُ تارات يُصِيب فِي بَعْضهَا، ويخطئ فِي بَعْض، وَذَلِكَ معنى قَوْله: «يأتيني صَادِق وكاذب» ، فَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ: خلط عَلَيْك، فالجملة من أمره أَنَّهُ كَانَ فتْنَة قَدِ امتحن اللَّه بِهِ عباده الْمُؤْمِنِينَ، ليهلك من هلك عَنْ بَيِّنَة، وَقَدِ امتحن قوم مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فِي زَمَانه بالعجل، فَافْتتنَ بِهِ قوم وأهلكوا، وَنَجَا من هداه اللَّه وَعَصَمَهُ مِنْهُمْ.
وَقَدِ اخْتلفت الرِّوَايَات فِي أمره، وَفِيمَا كَانَ من شَانه بَعْد كبره، فَروِيَ أَنَّهُ قَدْ تَابَ عَنْ ذَلِكَ القَوْل، ثُمَّ إِنَّه مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُمْ لما أَرَادوا الصَّلَاة عَلَيْهِ، كشفوا عَنْ وَجهه حَتَّى رَآهُ النَّاس، وَقِيلَ لَهُمُ: اشْهَدُوا.
قُلْتُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَتْلِهِ" (شرح السنة للبغوي(15/ 74) "
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ابْنُ صَيَّادٍ كَانَ بَعْضُ الصِّحَابَةِ يَظُنُّهُ الدَّجَّالَ الْأَكْبَرَ، وَلَيْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ دَجَّالًا مِنَ الدَّجَاجِلَةِ صَغِيرًا. (البداية والنهاية ط هجر(19/ 126 ) )
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ لَيْسَ بِالدَّجَّالِ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَطْعًا; لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الْفِهْرِيَّةِ، فَإِنَّهُ فَيْصَلٌ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (البداية والنهاية ط هجر(19/ 127 ) )
وما اختاره البيهقي هو الأرجح المختار، وقد جزم به ابن كثير، وذكره عن بعض العلماء.
وقال ابن كثير أيضًا:"وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ابْنِ صَيَّادٍ كَثِيرَةٌ، وَفِي بَعْضِهَا التَّوَقُّفُ فِي أَمْرِهِ، هَلْ هُوَ الدَّجَّالُ أَمْ لَا؟ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي شَانِ الدَّجَّالِ وَتَعْيِينِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ فَاصِلٌ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَسَنُورِدُ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّجَّالَ لَيْسَ بِابْنِ صَيَّادٍ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ؟". البداية والنهاية ط هجر (19/ 139)
وقال ابن كثير أيضًا:"وَقَدْ كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: صَافُ. وَقَدْ جَاءَ هَذَا وَهَذَا، وَقَدْ يَكُونُ أَصْلَ اسْمِهِ صَافُ، ثُمَّ تَسَمَّى لَمَّا أَسْلَمَ بِعَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ ابْنُهُ عُمَارَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ سَادَاتِ التَّابِعِينَ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الدَّجَّالَ غَيْرُ ابْنِ صَيَّادٍ، وَأَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ كَانَ دَجَّالًا مِنَ الدَّجَاجِلَةِ، ثُمَّ تِيبَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِضَمِيرِهِ وَسَرِيرَتِهِ. البداية والنهاية ط هجر (19/ 139) والمفصل في أشراط الساعة وعلاماتها (ص: 367) "