فهرس الكتاب

الصفحة 1963 من 2832

2018. وعن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ،فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ» ،قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» ،فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا» ،فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: «نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» ،قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ» ،فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» مسلم [1] .

2019. وعَنْ أَبِي سَلَّامٍ، قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ،قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ،قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ،قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ» ،قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» مسلم [2]

(1) تهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص: 686) (1847) (دعاة على أبواب جهنم) قال العلماء هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة وفي حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصي من أخذ الأموال وغير ذلك فتجب طاعته في غير معصية وفيه معجزات لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي هذه الأمور التي أخبر بها وقد وقعت كلها]

(2) تهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص: 686) (1847) (عن أبي سلام قال قال حذيفة) قال الدارقطني هذا عندي مرسل لأن أبا سلام لم يسمع حذيفة وهو كما قال الدارقطني لكن المتن صحيح متصل بالطريق الأول وإنما أتى مسلم بهذا متابعة كما ترى وقد قدمنا أن الحديث المرسل إذا روي من طريق آخر متصلا تبينا به صحة المرسل وجاز الاحتجاج به ويصير في المسئلة حديثان صحيحان (في جثمان إنس) أي في جسم بشر]

وهذه زيادة وردت في حديث محفوظ مشهور عن حذيفة، ولم يذكر عامة الرواة عنه هذه الزيادة، فالموقف منها على ثلاثة أنحاء:

الأول: الحكم عليها بالضعف وردها، أولا لكونها مرسلة منقطعة، وقد أخرجها مسلم في المتابعات لا في الأصول، وثانيا لأنها زيادة تفرد بها راو ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد في حديث محفوظ مشهور، وهذا عند نقاد الحديث علة ترد بسببها هذه الزيادة لو كانت متصلة، فكيف وهي مرسلة منقطعة بلا خلاف!

قال الدارقطني في التتبع فيما استدركه على الصحيحين رقم 53 (وأخرج مسلم حديث معاوية بن سلام عن زيد عن أبي سلام عن حذيفة .. وهذا عندي مرسل لم يسمع أبو سلام من حذيفة) !

وقد وافق الدارقطني على الحكم بالإرسال بين أبي سلام وحذيفة، كل من الحافظ المزي في تهذيب الكمال، والحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، والعلائي في جامع التحصيل، والنووي في شرح مسلم حيث قال (قال الدارقطني: هذا عندي مرسل، وهو كما قال الدارقطني) !

وقال محقق الكتاب الشيخ مقبل بن هادي (في حديث حذيفة هذا زيادة ليست في حديث حذيفة المتفق عليه، وهي قوله(( وإن أخذ مالك وضرب ظهرك ) )،فهذه الزيادة ضعيفة، لأنها من هذه الطريق منقطعة)!

فهذه الزيادة منكرة عند أهل التحقيق، لأنه اجتمع فيها تفرد في الزيادة، وضعف في الرواية!

قلت: الصواب أنها صحيحة؛ لأنها وردت موصولة من طريق آخر صحيح، فعَنْ سُبَيْعِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الْكُوفَةِ زَمَنَ فُتِحَتْ تُسْتَرُ لِأَجْلِبَ مِنْهَا بِغَالًا، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا صَدْعٌ مِنَ الرِّجَالِ تَعْرِفُ إِذَا رَأَيْتَهُمْ أَنَّهُمْ مِنْ رِجَالِ الْحِجَازِ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: فَحَدَّقَنِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، وَقَالُوا: مَا تَعْرِفُ هَذَا؟ هَذَا حُذَيْفَةُ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْخَيْرَ الَّذِي أَعْطَانَا اللَّهُ يَكُونُ بَعْدَهُ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا الْعِصْمَةُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «السَّيْفُ» قُلْتُ: وَهَلْ لِلسَّيْفِ مِنْ بَقِيَّةٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ» قَالَ: «جَمَاعَةٌ عَلَى فِرْقَةٍ، فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِلَّا فَمُتْ عَاضًّا بِجِذْلِ شَجَرَةٍ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ وَمَعَهُ نَهْرٌ وَنَارٌ، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ أَجَرَهُ وَحَطَّ وِزْرَهُ، وَمَنْ وَقَعَ فِي نَهْرِهِ وَجَبَ وِزْرُهُ وَحُطَّ أَجْرُهُ» قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ إِنَّمَا هِيَ قِيَامُ السَّاعَةِ»

وفي رواية:"فَإِنْ رَأَيْتَ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَالْزَمْهُ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ وَإِنْ لَمْ تَرَ خَلِيفَةً فَاهْرُبْ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ» المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/ 479) (8332) وصححه ووافقه الذهبي ومسند البزار = البحر الزخار (7/ 361) (2959 و2960و2961) من طرق وهو صحيح، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (6/ 539) (2739) وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (13/ 847) (6381) "

وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْعِصْمَةُ مِنْ ذَلِكَ؟،وَذَكَرَ دُعَاةَ الضَّلَالَةِ، فَقَالَ: «إِنْ لَقِيتَ لِلَّهِ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَالْزَمْهُ، وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ، وَإِلَّا فَاهْرُبْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَاتِيَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ» الفتن لنعيم بن حماد (1/ 144) (357) صحيح

وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «سَتَكُونُ أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهَدْيِي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَتَكُونُ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي أَجْسَادِ الْإِنْسِ» قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ الْأَعْظَمِ، وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» المعجم الأوسط (3/ 190) (2893) صحيح لغيره

وعجبت لمن يزعم أنه محدث ثم لا يستوعب طرق الحديث، فكيف إذا كان في صحيح الإمام مسلم، ثم يسارع فيحكم عليه بالضعف!!!!!

الثاني: قبول الزيادة بشرط تفسيرها على نحو يوافق النصوص القرآنية والنبوية القطعية، بأن يقال وإن أخذ مالك بالحق وقضى به لخصمك، أو ضرب ظهرك في حد من حدود الله بالحق، فلا تخرج عليه كحال أهل الجاهلية الذين لا يعرفون السمع والطاعة في مثل هذا الأمر، كما قال ابن حزم:"كل هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لما قد تقصيناه غَايَة التَّقَصِّي خَبرا خَبرا بأسانيدها ومعانيها فِي كتَابنَا الموسوم بالاتصال إِلَى فهم معرفَة الْخِصَال وَنَذْكُر مِنْهُ إِن شَاءَ الله هَاهُنَا جملا كَافِيَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أما أمره - صلى الله عليه وسلم - بِالصبرِ على أَخذ المَال وَضرب الظّهْر فَإِنَّمَا ذَلِك بِلَا شكّ إِذا تولى الإِمَام ذَلِك بِحَق وَهَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ أَنه فرض علينا الصَّبْر لَهُ وَإِن امْتنع من ذَلِك بل من ضرب رقبته إِن وَجب عَلَيْهِ فَهُوَ فَاسق عَاص لله تَعَالَى وَإِمَّا إِن كَانَ ذَلِك بباطل فمعاذ الله أَن يَامر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بِالصبرِ على ذَلِك برهَان هَذَا قَول الله عز وَجل {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان} وَقد علمنَا أَن كَلَام رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لَا يُخَالف كَلَام ربه تَعَالَى قَالَ الله عز وَجل {وَمَا ينْطق عَن الْهوى أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى} وَقَالَ تَعَالَى {وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا} فصح أَن كل مَا قَالَه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَهُوَ وَحي من عِنْد الله عز وَجل وَلَا اخْتِلَاف فِيهِ وَلَا تعَارض وَلَا تنَاقض فَإِذا كَانَ هَذَا كَذَلِك فيقين لَا شكّ فِيهِ يدْرِي كل مُسلم أَن أَخذ مَال مُسلم أَو ذمِّي بِغَيْر حق وَضرب ظَهره بِغَيْر حق إِثْم وعدوان وَحرَام قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ حرَام عَلَيْكُم فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا وَلَا اخْتِلَاف من أحد من الْمُسلمين فالمسلم مَاله للأخذ ظلما وظهره للضرب ظلما وَهُوَ يقدر على الِامْتِنَاع من ذَلِك بِأَيّ وَجه أمكنه معاون لظالمه على الْإِثْم والعدوان وَهَذَا حرَام بِنَصّ الْقُرْآن وَأما سَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرنَا وقصة ابْني آدم فَلَا حجَّة فِي شَيْء مِنْهَا أما قصَّة ابْني آدم فَتلك شَرِيعَة أُخْرَى غير شريعتنا قَالَ الله عز وَجل {لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجًا} وَأما الْأَحَادِيث فقد صَحَّ عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ إِن اسْتَطَاعَ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان شَيْء وَصَحَّ عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لَا طَاعَة فِي مَعْصِيّة إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الطَّاعَة وعَلى أحدكُم السّمع وَالطَّاعَة مَا لم يُؤمر بِمَعْصِيَة فَإِن أَمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة وَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد والمقتول دون دينه شَهِيد والمقتول دون مظْلمَة شَهِيد وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليعمنكم الله بِعَذَاب من عِنْده فَكَانَ ظَاهر هَذِه الْأَخْبَار مُعَارضا للْآخر فصح أَن إِحْدَى هَاتين الجملتين ناسخة لِلْأُخْرَى لَا يُمكن غير ذَلِك فَوَجَبَ النّظر فِي أَيهمَا هُوَ النَّاسِخ فَوَجَدنَا تِلْكَ الْأَحَادِيث الَّتِي مِنْهَا النَّهْي عَن الْقِتَال مُوَافقَة لمعهود الأَصْل وَلما كَانَت الْحَال فِيهِ فِي أول الْإِسْلَام بِلَا شكّ وَكَانَت هَذِه الْأَحَادِيث الْأُخَر وَارِدَة بشريعة زَائِدَة وَهِي الْقِتَال هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ فقد صَحَّ نسخ متن تِلْكَ الحاديث وَرفع حكمهَا حِين نطقه عَلَيْهِ السَّلَام بِهَذِهِ الْأُخَر بِلَا شكّ فَمن الْمحَال الْمحرم أَن يُؤْخَذ بالمنسوخ وَيتْرك النَّاسِخ وَأَن يُؤْخَذ الشَّك وَيتْرك الْيَقِين وَمن ادّعى أَن هَذِه الْأَخْبَار بعد أَن كَانَت هِيَ الناسخة فَعَادَت مَنْسُوخَة فقد ادّعى الْبَاطِل وَقفا مَا لَا علم لَهُ بِهِ فَقَالَ على الله مَا لم يعلم وَهَذَا لَا يحل وَلَو كَانَ هَذَا لما أخلا الله عز وَجل هَذَا الحكم عَن دَلِيل وبرهان يبين بِهِ رُجُوع الْمَنْسُوخ نَاسِخا لقَوْله تَعَالَى فِي الْقُرْآن تبيانًا لكل شَيْء وبرهان آخر وَهُوَ أَن الله عز وَجل قَالَ {وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء} لم يخْتَلف مسلمان فِي أَن هَذِه الْآيَة الَّتِي فِيهَا فرض قتال الفئة الباغية محكمَة غير مَنْسُوخَة فصح أَنَّهَا الحاكمة فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث فَمَا كَانَ مُوَافقا لهَذِهِ الْآيَة فَهُوَ النَّاسِخ الثَّابِت وَمَا كَانَ مُخَالفا لَهَا فَهُوَ الْمَنْسُوخ الْمَرْفُوع"الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 133)

الثالث: حمل الزيادة على معنى خاص لا يتعارض مع النصوص الأخرى، وهو الحث على لزوم الجماعة ولزوم الخلافة في عصور الفتن، حتى وإن تعرض المسلم للتعذيب بسبب ذلك، فالخلافة العامة عصمة من الفتنة العامة، وقد ضبطت اللفظة على المبني للمجهول (وإن أُخذ مالك، وضُرب ظهرك) ! كما في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 15/ 344!

ويكون المعنى الزم الخلافة والجماعة، حتى وإن أوذيت بسبب ذلك على يد أهل الفتنة والفرقة فأخذوا مالك وضربوا ظهرك، كما فعل الخوارج في المسلمين حين كانوا يمتحنونهم بالبيعة لهم، ونقض بيعة خلفاء المسلمين!

ويزيده وضوحا رواية أبي داود الطيالسي عَنْ سُبَيْعِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: غَلَتِ الدَّوَابُّ فَأَتَيْنَا الْكُوفَةَ نَجْلِبُ مِنْهَا دَوَابَّ فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ صَدَعٌ مِنَ الرِّجَالِ حَسَنُ الثَّغْرِ يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الْحِجَازِ وَإِذَا نَاسٌ مُشْرَئِبُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَا تَعْجَلُوا عَلَيَّ أُحَدِّثْكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ فَإِذَا أَمْرٌ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَكَانَ اللَّهُ رَزَقَنِي فَهْمًا فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْخَيْرِ وَأَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ،قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «السَّيْفُ» ،قُلْتُ: فَهَلْ لِلسَّيْفِ مِنْ بَقِيَّةٍ؟ فَمَا يَكُونُ بَعْدَهُ؟ قَالَ: «تَكُونُ هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ» ،قَالَ: قُلْتُ: فَمَا يَكُونُ بَعْدَ الْهُدْنَةِ؟ قَالَ: «دُعَاةُ الضَّلَالَةِ فَإِنْ رَأَيْتَ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَالْزَمْهُ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ وَإِنْ لَمْ تَرَ خَلِيفَةً فَاهْرُبْ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ» ،قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «الدَّجَّالُ» . مسند أبي داود الطيالسي (1/ 355) (444) صحيح

فالمقصود ليس الصبر على الجائر حتى وإن أخذ المال واستحل الضرب، بل الصبر على لزوم الخلافة العامة وجماعة الأمة، مهما تعرض المسلم للأذى على يد دعاة الضلالة والفرقة بسبب لزومه للخلافة والجماعة!

ويزيده بيانا الحديث المتفق عليه في الصحيحين عن أبي إِدْرِيسَ الخَوْلاَنِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ» قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» قُلْتُ: فَمَا تَامُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» صحيح البخاري (4/ 199) (3606) وصحيح مسلم (3/ 1475) 51 - (1847)

وفي رواية أحمد عَنْ سُبَيْعٍ قَالَ: أَرْسَلُونِي مِنْ مَاهٍ إِلَى الْكُوفَةِ أَشْتَرِي الدَّوَابَّ، فَأَتَيْنَا الْكُنَاسَةَ فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ جَمْعٌ، قَالَ: فَأَمَّا صَاحِبِي فَانْطَلَقَ إِلَى الدَّوَابِّ وَأَمَّا أَنَا فَأَتَيْتُهُ، فَإِذَا هُوَ حُذَيْفَةُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْخَيْرِ وَأَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ؟ قَالَ:"نَعَمْ"،قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ مِنْهُ؟ قَالَ:"السَّيْفُ"- أَحْسَبُ أَبُو التَّيَّاحِ يَقُولُ: السَّيْفُ، أَحْسَبُ ـ قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:"ثُمَّ تَكُونُ هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ"،قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:"ثُمَّ تَكُونُ دُعَاةُ الضَّلَالَةِ، فَإِنْ رَأَيْتَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةَ اللهِ فِي الْأَرْضِ فَالْزَمْهُ، وَإِنْ نَهَكَ جِسْمَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ، فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَاهْرَبْ فِي الْأَرْضِ، وَلَوْ أَنْ تَمُوتَ وَأَنْتَ عَاضٌّ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ"،قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:"ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ"،قَالَ: قُلْتُ: فَبِمَ يَجِيءُ بِهِ مَعَهُ؟ قَالَ:"بِنَهَرٍ ـ أَوْ قَالَ: مَاءٍ ـ وَنَارٍ، فَمَنْ دَخَلَ نَهْرَهُ حُطَّ أَجْرُهُ، وَوَجَبَ وِزْرُهُ، وَمَنْ دَخَلَ نَارَهُ وَجَبَ أَجْرُهُ وَحُطَّ وِزْرُهُ"،قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:"لَوْ أَنْتَجْتَ فَرَسًا لَمْ تَرْكَبْ، فَلُوَّهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ"مسند أحمد ط الرسالة (38/ 421) (23425) صحيح

ففيه تحذير من طاعة دعاة الضلالة والدعاة على أبواب جهنم، حتى وإن أخذوا ماله وضربوا ظهره، والأمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، إن كانت الخلافة قائمة، وإلا وجب على الفرد اعتزال تلك الفرق كلها، ووجب على الأمة بمجموعها القيام بواجبها في أن تقيم الجماعة الواحدة والخلافة الراشدة!

فقسَّم هذا الحديث الصحيح عن حذيفة الأطوار التي تمر بها الأمة، وأنظمتها السياسية، وخطابها السياسي إلى ثلاث مراحل:

أولا: مرحلة الخير المحض، وهو عهد النبوة والخلفاء الراشدين، حيث يسود الخطاب السياسي المنزل، وحيث الأمة الواحدة، والإمامة والخلافة الواحدة، ثم تحدث فتنة وشر، وهو ما جرى من فتن في آخر عهد الصحابة، وهي إرهاصات التحول إلى مرحلة جديدة.

ثانيا: مرحلة الخير الذي فيه دخن، حيث يظهر الخطاب المؤول، ويكون الناس جماعة واحدة على دخن فيهم وبينهم، وتختلط السنة بالبدعة، والخطاب المنزل بالمؤول، حيث يكون خلفاء يخلطون الخير بالشر، والمعروف بالمنكر، والسنة بالبدعة، كما قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» صحيح البخاري (4/ 199) (3606) .

وهم الذين قال فيهم كما في الحديث الصحيح عَنْ فُرَاتٍ القَزَّازِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ» قَالُوا: فَمَا تَامُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» صحيح البخاري (4/ 169) (3455) وصحيح مسلم (3/ 1471) 44 - (1842)

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا» صحيح مسلم (3/ 1480) 61 - (1853)

وهؤلاء هم الذين تنزل عليهم أحاديث الصبر على ما قد يقع منهم من أثرة، مع أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإعانتهم على الحق.

وهذه هي مرحلة الخطاب المؤول التي ظلت الخلافة فيه قائمة نحو ألف ومائتي عام، منذ استشهاد آخر خليفة صحابي وهو عبد الله بن الزبير سنة 73هـ إلى سقوط آخر خلافة للمسلمين وهي الخلافة العثمانية على يد الجيوش الصليبية الاستعمارية في الحرب العالمية الأولى!

قلت:"وقد يكون أمره بالصبر كما أمر الصحابي الجليل أبا ذر رضي الله عنه بذلك، حيث يكون هناك اختلاف في فهم أمور الحياة، وفي فهم الظلم وغيره، فقد لا يكون مظلوما في حقيقة الأمر، لأن الله تعالى قد حرم الظلم، وجعله محرما بين عباده وأمر برد المظالم، فلا يمكن أن يقر الظالم على ظلمه إلا إذا ترتب تغيير المنكر إلى منكر أشد منه، لأن تقدير الفرد في مثل هذه الظروف غير تقدير الجماعة قطعًا"انظر: الأحكام الشرعية للثورات العربية ط 1 (ص: 197)

لقد أصبح الفقهاء في عصور الانحطاط يفسرون حديث حذيفة مرفوعًا وفيه: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» تفسيرا يناقض حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم(ص: 336) 2480 - 946 - [ش أخرجه مسلم في الإيمان باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره .. رقم 141.)!!

إن السبب لشيوع الفهم الخاطئ لهذه الأحاديث هو عدم معرفة السياق التاريخي والظرف الاجتماعي اللذيْن وردت فيهما تلك النصوص؛ وإلا فقوله إن (ضرب ظهرك وأخذ مالك) المقصود منه - على فرض صحته- تقرير مبدأ الطاعة للسلطة الذي لم يكن معروفا عندهم أصلا، وكأنه يقول: إذا قضي بمالك بحكم لخصمك، أو أقيمت عليك عقوبة بجنايتك أو جريمتك أو لحد من حدود الله عز وجل، فلا يسقط ذلك حق السلطة عليك بالسمع والطاعة لها؛ وهو ما كان يأنف منه العرب ويأبونه في الجاهلية أشد الإباء؛ فكانوا لا يتحاكمون إلا إلى قانون القوة لا إلى قانون الحق والعدل كما قال شاعرهم:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ** يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم!

وهذا البيت لحكيم من حكمائهم وهو زهير بن أبى سلمى في معلقته المشهورة وهو يبين كيف كان الجاهليون يتناصفون ويتظالمون.

ومن أشهر القصص التاريخية الدالة على مدى أنفة العرب من إقامة الحدود والعقوبات عليهم؛ وأنهم يرون فضلا لأنفسهم على من هو دونهم؛ قصة جبلة بن الأيهم الغساني الذي كان آخر ملوك العرب في الشام تحت نفوذ الدولة الرومانية؛ وقد أسلم بعد فتح الشام؛ وجاء للحج في عهد عمر فلما طاف بالبيت وطأ أعرابي رداءه فلطمه ابن الأيهم فقال عمر: القصاص! فقال ابن الأيهم: أيضربني الأعرابي؟! قال عمر: نعم! فقال: إذن أرجع عن دينكم! ورجع عند دينه وارتد؛ كل ذلك بسبب أنفته من إقامة الحد عليه والاقتصاص منه!!

وهذا ما حصل لعثمان رضي الله عنه حين أدب بعض رعيته وأقام الحد على بعضهم؛ فأنفوا من ذلك ووقفوا مع الثورة ضده لا لشيء إلا لما جبل عليه العرب في جاهليتهم من عدم الطاعة للسلطة!

إن حديث (وإن أخذ مالك وضرب ظهرك) على فرض صحته المراد منه تقرير مبدأ السمع والطاعة للسلطة وعدم الخروج عليها إن أقامت عليك الحد ما دام ذلك بالحق والعدل؛ ومما يؤكد هذا الفهم رفض عبدالله بن عمرو بن العاص كما في صحيح مسلم عن ثَابِتٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ تَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو فَوَعَظَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . تهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص: 68) (141)

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ عَامِلًا مِنْ عُمَّالِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْرَى عَيْنًا مِنْ مَاءٍ لِيَسْقِي بِهَا أَرْضًا، فَأَجْرَاهَا حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ حَائِطٍ يُسَمَّى الْوَهْطَ لِآلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَرَادَ أَنْ يَخْرِقَ الْحَائِطَ لِيُجْرِيَ الْعَيْنَ إِلَى أَرْضٍ لَهُ أُخْرَى، فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَوَالِيهِ بِالسِّلَاحِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَخْرِقُونَ حَائِطَنَا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَّا أَحَدٌ، فَقَالُوا: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّكَ مَقْتُولٌ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ مَظْلُومًا فَإِنَّهُ فِي الْجَنَّةِ» تهذيب الآثار مسند ابن عباس (2/ 794) (1168) صحيح وتهذيب تحرير الإنسان وتجريد الطغيان (ص: 103)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت