2016. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا، فَمَاتَ، فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ» . متفق عليه [1] .
2017. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» ،قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا» ،أَيْ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ"مسلم [2] "
(1) إرشاد الحيران فيما اتفق عليه الشيخان مع الشرح (ص: 2360) 1347. (1849) أخرجه البخاري في: 92 كتاب الفتن: 2 باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - سترون بعدي أمورًا تنكرونها
وترك الخروج عليه لا يعني السكوت عن فسقه وما يرتكبه من منكرات، بل الواجب نصحه والإنكار عليه ومحاسبته ومحاكمته، وألا يطاع ولا يعاون في معصية الله تعالى، وقد تقدم الكلام في هذا.
وإذا أمكن عزل الإمام الذي طرأ عليه الفسق دون وقوع قتنة وإراقة دماء ومفسدة أعظم من مفسدة إبقائه ففي هذه الحالة يجب أن يعزل، ويولى على المسلمين أفضل من توفرت فيه الشروط الشرعية، قال الحافظ ابن حجر رخمه الله:"وَنقل بن التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِي أُمَرَاءِ الْجَوْرِ أَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى خَلْعِهِ بِغَيْرِ فِتْنَةٍ وَلَا ظُلْمٍ وَجَبَ وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ الصَّبْرُ"فتح الباري لابن حجر (13/ 8) والمهذب في فقه السياسة الشرعية (ص: 598)
المقصود بالجماعة هنا هي الأمة! وقد أوجب الله عليها الاجتماع وعدم التفرق قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] .
فلا يترك أحد الجماعة ولا يفارقها حتى لو كره من الإمام شيئا؛ فإن الكراهة له لا تسقط حقه في الطاعة؛ إذا الكراهة النفسية لا ضابط لها وليست وصفا ظاهرا منضبطا تناط به الأحكام الشرعية.
لقد كان بعض الصحابة يكره من عمر شدته، وبعضهم يكره من عثمان تساهله وتسامحه، وبعضهم لم يرض تأمير النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد على جيش مؤتة!
ومثل هذه الأمور يجب الصبر عليها؛ فممارسة السلطة لصلاحياتها اجتهاد بشري وليس بالضرورة يرضى عنها كل الناس.
وظاهر حديث ابن عباس هذا هو في الأمور الخاصة الفردية التي تورث الضغينة والبغضاء؛ ومما يؤكد ذلك أنه أمره بالصبر؛ ولو كان ما كرهه من أميره منكرا لأمره بالنصيحة له أو أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر؛ فدل ذلك على أن المقصود الأمور الخاصة التي تستجلب الكراهة؛ فالواجب الصبر مع الجماعة وهي الأمة كلها في حال وحدتها، وعدم مفارقتها؛ حتى تقوم الأمة كلها بتغييره إن كان ما يكرهه من الإمام يقتضي ذلك؛ إذ ترك الجماعة والانشقاق عنها من فعل وحال أهل الجاهلية لا من فعل وحال أهل الإسلام، الذي جاء دينهم بالتوحيد وأوجب الوحدة والائتلاف وحرم الفرقة والاختلاف؛ فمن مات على تلك الحال فقد مات كما يموت أهل الجاهلية وهذا نهي عن التشبه بهم، إلا إذا كفر الإمام فهنا يجب الخروج عليه لمن قدر عليه ولو وحده، كما في عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَهُوَ مَرِيضٌ، قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» (متفق عليه) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» (صحيح مسلم)
وفي هذا الحديث أوضح بيان على:
-وجوب الطاعة.- وتوحيد الدولة والسلطة.- وتحريم الخروج عليها أو تقسيم الدولة.- ووجوب الجماعة بتوحيد الأمة وضم شملها.- ووجوب توحيد كلمتها.- وتحريم الانشقاق عنها.- وفيه تقرير مبدأ المواطنة لكل أفرادها مسلمها وذميها؛ فأهل الذمة جزء من الأمة في الدولة والوطن. تهذيب تحرير الإنسان وتجريد الطغيان (ص: 118)
(2) تهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص: 689) (1854)
وقوله: (( ومن أنكر فقد سلم ) )؛ أي: بقلبه؛ بدليل تقييده بذلك في الرواية الأخرى؛ أي: اعتقد الإنكار بقلبه، وجزم علبه بحيث لو تمكن من إظهار الإنكار لأنكر. ومَنْ كان كذلك فقد سَلِم من مؤاخذة الله تعالى على الإقرار على المنكر. وهذه الرتبة هي رتبة من لم يقدر على تغيير المنكر لا باللسان، ولا باليد، وهي التي قال فيها ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: (( وذلك أضعف الإيمان، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) ). وقوله: (( ولكن مَنْ رضي وتابع ) )؛ أي: من رضي المنكر، وتابع عليه هو المؤاخذ، والْمُعَاقَبُ عليه، وإن لم يفعله"المفصل في أحاديث الفتن (ص: 511) والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (12/ 107) والمفصل في شرح السنن النبوية في الأحكام السياسية (ص: 372) "