مِنَ العَرَبِ، كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلاَءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الجِلْدَ وَالنَّوَى مِنَ الجُوعِ، وَنَلْبَسُ الوَبَرَ وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالحَجَرَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ - إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا - صلى الله عليه وسلم - «أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، أَوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا، أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ» ،فَقَالَ النُّعْمَانُ: رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللَّهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،فَلَمْ يُنَدِّمْكَ، وَلَمْ يُخْزِكَ، وَلَكِنِّي شَهِدْتُ القِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ «إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ، وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ» . الْبُخَارِيُّ [1] .
1598. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ فَأُخِذَ فَأَتَوْهُ بِهِ، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ» أبو داود [2] .
1599. عَنْ مُعَاذٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَاخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ - يَعْنِي مُحْتَلِمًا - دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ المُعَافِرِيِّ ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ» أبو داود [3]
(1) شرح تهذيب صحيح البخاري (علي بن نايف الشحود(1 - 10) (6/ 91) 45. *- (بخاري:3160،3159) [ش (أفناء) نواحي. (الأمصار) جمع مصر وهي البلد الكبير. (الهرمزان) أحد ملوك العجم. (شدخ) كسر. (كسرى) لقب ملك الفرس. (قيصر) لقب ملك الروم. (فارس) اسم للعجم المعروفين بهذا الاسم في ذاك الوقت. (ترجمان) هو الذي ينقل الكلام من لغة إلى أخرى. (النوى) عجم التمر. (الوبر) هو شعر الإبل. (فقال النعمان) للمغيرة لما أنكر عليه تأخير القتال. (أشهدك) أحضرك. (مثلها) مثل هذه الوقعة. (يندمك) على التأني والصبر وفيما لقيت معه من الشدة. (ولم يخزك) من الإخزاء وهو الذل والهوان. (تهب الأرواح) جمع ريح. (تحضر الصلوات) يعني بعد زوال الشمس وذهاب شدة الحر حتى يطيب القتال ويسهل على المقاتلين]
وَفِي الحَدِيث من الْفَوَائِد منقبة النُّعْمَان وَمَعْرِفَة الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالْحَرْبِ وَقُوَّة نَفسه وشهامته وفصاحته وبلاغته واشتمال كَلَامه على بَيَان أَحْوَالهم الدِّينِيَّة والدنياوية، وعَلى بَيَان معجزات الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - وأخباره عَن المغيبات ووقوعها كَمَا أخبر. وَفِيه: فضل المشورة وَأَن الْكَبِير لَا نقص عَلَيْهِ فِي مُشَاورَة من هُوَ دونه، وَأَن الْمَفْضُول قد يكون أَمِيرا على الْأَفْضَل، لِأَن الزبير ابْن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ فِي جَيش عَلَيْهِ النُّعْمَان بن مقرن، وَالزُّبَيْر أفضل مِنْهُ اتِّفَاقًا وَفِيه: ضرب الْمثل. وَفِيه: جودة تصور الهرمزان، وَكَذَلِكَ استشارة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: الْإِرْسَال إِلَى الإِمَام بالبشارة. وَفِيه: فضل الْقِتَال بعد زَوَال الشَّمْس على مَا قبله. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (15/ 85)
(2) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 672) 3037 - (صحيح)
قال ابن الملقن في"البدر المنير"9/ 186:"أُكيدر"بضم الهمزة تصغير أكدر، وهو الذي في لونه كدرة، وفي"دومة"ثلاث لغات: دومة ودمة ودوما، وهي من بلاد الشام، قال الحازمي في"المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن" (1/ 438) : دومة بضم الدال - ويقال: بفتحها: دومة الجندل في أرض الشام، وبينها وبين دمشق خمس ليالٍ، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة، وصاحبها أكيدر، وذكره ابن إسحاق، فقال: هو رجل من كندة وكان من دومة، وكان نصرانيًا.
(3) تهذيب سنن أبي داود السجستاني (علي بن نايف الشحود) (ص: 672) 3038 و 3039 - (صحيح)
قال الخطابي: في قوله:"من كل حالم"دليل على أن الجزية إنما تجب على الذكران منهم دون الإناث، لأن الحالم عبارة عن الرجل، فلا وجوب لها على النساء، ولا على المجانين والصبيان.
وفيه بيان أن الدينار مقبول من جماعتهم، أغنياؤهم وأوساطهم في ذلك سواء، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه إلى اليمن وأمره بقتالهم، ثم أمره بالكف عنهم إذا أعطوا دينارًا، وجعل بذل الدينار حاقنًا لدمائهم، فكل من أعطاه فقد حقن دمه، وإلى هذا ذهب الشافعى، قال: وإنما هو على كل محتلم من الرجال الأحرار دون العبيد.
وقال أصحاب الرأي وأحمد بن حنبل: يوضع على الموسر منهم ثمانية وأربعون درهمًا وأربعة وعشرون واثنا عشر.
وقال أحمد: على قدر ما يطيقون، قيل له: فيزداد في هذا اليوم وينقص، قال: نعم، على قدر طاقتهم وعلى قدر ما يرى الإمام، وقد علق الشافعي القول في إلزام الفقير الجزية.