النظر في استيفاء موجباتها بإقرار يكرهه عليه الحاكم إذا احتفت به القرائن لما توجبه المصلحة العامّة في ذلك. فكان الذي يقوم بهذا الاستبداء وباستيفاء الحدود بعده إذا تنزّه عنه القاضي يسمّى صاحب الشّرطة، وربما جعلوا إليه النظر في الحدود والدماء بإطلاق، وأفردوها من نظر القاضي، ونزهوا هذه المرتبة وقلّدوها كبار القواد وعظماء الخاصّة من مواليهم.
ولم تكن عامّة التنفيذ في طبقات الناس، إنّما كان حكمهم على الدهماء وأهل الرّيب، والضرب على أيدي الرعاع والفجرة. (مقد 2، 687، 6)
-الملك منصب طبيعي للإنسان؛ لأنّا قد بيّنا أن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلّا باجتماعهم وتعاونهم على تحصيل قوتهم وضروريّاتهم. وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات، ومدّ كلّ واحد منهم يده إلى حاجته يأخذها من صاحبه، لما في الطبيعة الحيوانيّة من الظّلم والعدوان بعضهم على بعض، ويمانعهم الآخر عنها بمقتضى الغضب والأنفة ومقتضى القوة البشرية في ذلك، فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة، وهي تؤدي إلى الهرج وسفك الدماء وإذهاب النفوس، المفضي ذلك إلى انقطاع النوع، وهو مما خصّه الباري سبحانه بالمحافظة، واستحال بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض؛ واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكّم ولا بدّ في ذلك من العصبية لما قدّمناه من أنّ المطالبات كلّها، والمدافعات لا تتمّ إلّا بالعصبيّة. (مقد 2، 573، 14)
-إنّ نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأنّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي اللّه عنه وتسليم النظر إليه في أمورهم.
وكذا في كلّ عصر من بعد ذلك. ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار.
واستقرّ ذلك إجماعا دالّا على وجوب نصب الإمام. وقد ذهب بعض الناس إلى أنّ مدرك وجوبه العقل، وأنّ الإجماع الذي وقع إنّما هو قضاء بحكم العقل فيه.
قالوا وإنّما وجب بالعقل لضرورة الاجتماع للبشر واستحاله حياتهم ووجودهم منفردين، ومن ضرورة الاجتماع التنازع لازدحام الأغراض. فما لم يكن الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر وانقطاعهم؛ مع أنّ حفظ النوع من مقاصد الشرع الضروريّة. وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظه الحكماء في وجوب النبوات في البشر، وقد نبّهنا على فساده، وأنّ إحدى مقدماته أنّ الوازع إنّما يكون بشرع من اللّه تسلّم له الكافّة تسليم إيمان واعتقاد وهو غير مسلّم؛ لأنّ الوازع قد يكون بسطوة الملك وقهر أهل الشوكة ولو لم يكن شرع، كما في أمم المجوس