والسلطان، فينتقل إليه العمران ويخفّ من مصر الكرسيّ الأول، والحضارة إنّما هي توفّر العمران ... فتنتقص حضارته وتمدّنه، وهو معنى اختلاله. وهذا كما وقع للسلجوقية في عدولهم بكرسيّهم عن بغداد إلى أصبهان، وللعرب قبلهم في العدول عن المدائن إلى الكوفة والبصرة، ولبني العباس في العدول عن دمشق إلى بغداد، ولبني مرين بالمغرب في العدول عن مراكش إلى فاس. وبالجملة فاتّخاذ الدولة الكرسي في مصر يخل بعمران الكرسي الأول. (مقد 2، 894، 8)
-اعلم أنّ الوظائف السلطانيّة في هذه الملّة الإسلاميّة مندرجة تحت الخلافة لاشتمال منصب الخلافة على الدين والدنيا كما قدّمناه. فالأحكام الشرعية متعلّقة بجميعها وموجودة لكل واحدة منها في سائر وجوهها، لعموم تعلّق الحكم الشرعي بجميع أفعال العباد. والفقيه ينظر في مرتبة الملك والسلطان وشروط تقليدها استبدادا على الخلافة وهو معنى السلطان، أو تعويضا منها وهو معنى الوزارة عندهم كما يأتي، وفي نظره في الأحكام والأموال وسائر السياسات مطلقا أو مقيّدا، أو في موجبات العزل إن عرضت، وغير ذلك من معاني الملك والسلطان، وكذا في سائر الوظائف التي تحت الملك والسلطان من وزارة أو جباية أو ولاية. لا بدّ للفقيه من النظر في جميع ذلك لما قدّمناه من انسحاب حكم الخلافة الشرعيّة في الملّة الإسلاميّة على رتبة الملك والسلطان.
(مقد 2، 664، 9)
-كان النظر في الجرائم وإقامة الحدود في الدولة العباسيّة والأمويّة بالأندلس والعبيديين بمصر والمغرب راجعا إلى صاحب الشرطة؛ وهي وظيفة أخرى دينيّة كانت من الوظائف الشرعيّة في تلك الدول، توسع النظر فيها عن أحكام القضاء قليلا؛ فيجعل للتهمة في الحكم مجالا، ويفرض العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم، ويقيم الحدود الثابتة في محالها، ويحكم في القود والقصاص، ويقيم التعزير والتأديب في حق من لم ينته عن الجريمة. ثم تنوسي شأن هاتين الوظيفتين في الدول التي تنوسي فيها أمر الخلافة. فصار أمر المظالم راجعا إلى السلطان، كان له تفويض من الخليفة أو لم يكن، وانقسمت وظيفة الشرطة قسمين:
منها وظيفة التهمة على الجرائم، وإقامة حدودها، ومباشرة القطع والقصاص حيث يتعيّن؛ ونصب لذلك في هذه الدول حاكم يحكم فيها بموجب السياسة دون مراجعة الأحكام الشرعيّة، ويسمّى تارة باسم الوالي وتارة باسم الشرطة. وبقي قسم التعازير وإقامة الحدود في الجرائم الثابتة شرعا فجمع ذلك للقاضي مع ما تقدّم وصار ذلك من توابع وظيفته وولايته، واستقرّ الأمر لهذا العهد على ذلك.