فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 1207

الرزق على نسبة الحاجة إليهم على النحو الذي قرّرناه، لا يساويهم بأهل الشوكة ولا بأهل الصنائع، من حيث الدين والمراسم الشرعيّة، ولكنه يقسّم بحسب عموم الحاجة وضرورة أهل العمران، فلا يصحّ في قسمهم إلا القليل. وهم أيضا لشرف بضائعهم أعزّة على الخلق وعند نفوسهم، فلا يخضعون لأهل الجاه حتى ينالوا منه حظّا يستدرّون به الرزق، بل ولا تفرغ أوقاتهم لذلك، لما هم فيه من الشغل بهذه الصنائع الشريفة المشتملة على أعمال الفكر والبدن، بل ولا يسعهم ابتذال أنفسهم لأهل الدنيا لشرف صنائعهم، فهم بمعزل عن ذلك. فلذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب. (مقد 2، 925، 16)

صنائع معاشيّة

-القياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة، ومن الغلط غير مأمونة، تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده، وتعوج به عن مرامه.

فربّما يسمع السامع كثيرا من أخبار الماضين ولا يتفطّن لما وقع من تغيّر الأحوال وانقلابها، فيجريها لأوّل وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد؛ وقد يكون الفرق بينهما كثيرا، فيقع في مهواة من الغلط. فمن هذا الباب ما ينقله المؤرّخون من أحوال الحجّاج وأنّ أباه كان من المعلّمين؛ مع أنّ التعليم لهذا العهد من جملة الصنائع المعاشيّة البعيدة من اعتزاز أهل العصبيّة؛ والمعلّم مستضعف مسكين، منقطع الجذم. فيتشوّف الكثير من المستضعفين أهل الحرف والصنائع المعاشيّة إلى نيل الرتب التي ليسوا لها بأهل ويعدّونها من الممكنات لهم فتذهب بهم وساوس المطامع، وربما انقطع حبلها من أيديهم فسقطوا في مهواة الهلكة والتلف، ولا يعلمون استحالتها في حقهم، وأنّهم أهل حرف وصنائع للمعاش، وأنّ التعليم صدر الإسلام والدولتين لم يكن كذلك، ولم يكن العلم بالجملة صناعة، إنّما كان نقلا لما سمع من الشارع وتعليما لما جهل من الدين على جهة البلاغ. فكان أهل الأنساب والعصبيّة الذين قاموا بالملّة هم الذين يعلّمون كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلى اللّه عليه وسلم، على معنى التبليغ الخبري لا على وجه التعليم الصناعي. (مقد 1، 322، 5)

-إذا كانت هذه الولاية بين القبيل وبين أوليائهم قبل حصول الملك لهم، كانت عروقها أوشج، وعقائدها أصحّ، ونسبها أصرح، لوجهين: أحدهما أنّهم قبل الملك أسوة في حالهم، فلا يتميّز النّسب عن الولاية إلّا عند الأقلّ منهم، فيتنزّلون منهم منزلة ذوي قرابتهم وأهل أرحامهم. وإذا اصطنعوهم بعد الملك كانت مرتبة الملك مميّزة للسيّد عن المولى، ولأهل القرابة عن أهل الولاية والاصطناع، لما تقتضيه أحوال الرئاسة والملك من تميّز الرتب وتفاوتها، فتتميّز حالتهم ويتنزّلون منزلة الأجانب، ويكون الالتحام بينهم أضعف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت