فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 1207

-إنّ الجاه مفيد للمال، وذلك أنّا نجد صاحب المال والحظوة في جميع أصناف المعاش أكثر يسارا وثروة من فاقد الجاه.

والسبب في ذلك أنّ صاحب الجاه مخدوم بالأعمال يتقرّب بها إليه في سبيل التزلّف والحاجة إلى جاهه. فالناس معينون له بأعمالهم في جميع حاجاته من ضروريّ أو حاجيّ أو كماليّ، فتحصل قيم تلك الأعمال كلّها من كسبه. وجميع ما شأنه أن تبذل فيه الأعواض من العمل، يستعمل فيها الناس من غير عوض، فتتوفّر قيم تلك الأعمال عليه. فهو بين قيم للأعمال يكتسبها وقيم أخرى تدعوه الضرورة إلى إخراجها فتتوفّر عليه. والأعمال لصاحب الجاه كثيرة فتفيد الغنى لأقرب وقت، ويزداد مع الأيّام يسارا وثروة. ولهذا المعنى كانت الإمارة أحد أسباب المعاش كما قدّمناه. وفاقد الجاه بالكليّة ولو كان صاحب مال فلا يكون يساره إلّا بمقدار ماله وعلى نسبة سعيه؛ وهؤلاء هم أكثر التجّار؛ ولهذا تجد أهل الجاه منهم يكونون أيسر بكثير. ومما يشهد لذلك أنّا نجد كثيرا من الفقهاء وأهل الدين والعبادة إذا اشتهروا، وحسن الظنّ بهم، واعتقد الجمهور معاملة اللّه في إرفادهم، فأخلص الناس في إعانتهم على أحوال دنياهم والاعتمال في مصالحهم، أسرعت إليهم الثروة وأصبحوا مياسير من غير مال مقتنى، إلّا ما يحصل لهم من قيم الأعمال التي وقعت المعونة بها من الناس لهم.

رأينا من ذلك أعدادا في الأمصار والمدن وفي البدو، يسعى لهم الناس في الفلح والتّجر وكلّ قاعد بمنزله لا يبرح من مكانه، فينمو ماله ويعظم كسبه، ويتأثّل الغنى من غير سعي. ويعجب من لا يفطن لهذا السر في حال ثروته وأسباب غناه ويساره. (مقد 2، 919، 9)

-إنّ الكسب الذي يستفيده البشر إنّما هو قيم أعمالهم. ولو قدّر أحد عطل عن العمل جملة لكان فاقد الكسب بالكليّة. وعلى قدر عمله وشرفه بين الأعمال وحاجة الناس إليه يكون قدر قيمته وعلى نسبة ذلك نموّ كسبه أو نقصانه. وقد بيّنا آنفا أن الجاه يفيد المال لما يحصل لصاحبه من تقرّب الناس إليه بأعمالهم وأموالهم في دفع المضارّ وجلب المنافع، وكان ما يتقرّبون به من عمل أو مال عوضا عما يحصلون عليه بسبب الجاه من الأغراض في صالح أو طالح. وتصير تلك الأعمال في كسبه، وقيمها أموال وثروة له. فيستفيد الغنى واليسار لأقرب وقت. ثم إنّ الجاه متوزّع في الناس ومترتّب فيهم طبقة بعد طبقة: ينتهي في العلوّ إلى الملوك الذين ليس فوقهم يد عالية؛ وفي السفل إلى من لا يملك ضرّا ولا نفعا بين أبناء جنسه؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت