فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 1207

وبين ذلك طبقات متعدّدة: حكمة اللّه في خلقه، بما ينتظم معاشهم وتتيسر مصالحهم ويتمّ بقاؤهم. لأنّ النوع الإنسانيّ لا يتمّ وجوده وبقاؤه إلّا بتعاون أبنائه على مصالحهم؛ لأنّه قد تقرّر أن الواحد منهم لا يتمّ وجوده إلّا بالتعاون؛ وإنه إن ندر فقد ذلك في صورة مفروضة لا يصحّ بقاؤه. ثمّ إنّ هذا التعاون لا يحصل إلّا بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع، ولما جعل لهم من الاختيار، وأنّ أفعالهم إنّما تصدر بالفكر والرويّة لا بالطبع، وقد يمتنع من المعاونة فيتعيّن حمله عليها. فلا بدّ من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم، لتتمّ الحكمة الإلهيّة في بقاء هذا النوع. وهذا معنى قوله تعالى وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (الزخرف: 32) . فقد تبيّن أنّ الجاه هو القدرة الحاملة للبشر على التصرّف فيمن تحت أيديهم من أبناء جنسهم بالإذن والمنع والتسلّط بالقهر والغلبة، ليحملهم على دفع مضارّهم وجلب منافعهم في العدل بأحكام الشرائع والسياسة، وعلى أغراضه فيما سوى ذلك.

ولكنّ الأوّل مقصود في العناية الربّانية بالذات، والثاني داخل فيها بالعرض كسائر الشرور الداخلة في القضاء الإلهي؛ لأنّه قد لا يتمّ وجود الخير الكثير إلّا بوجود شرّ يسير من أجل المواد، فلا يفوت الخير بذلك، بل يقع على ما ينطوي عليه من الشرّ اليسير، وهذا معنى وقوع الظلم في الخليقة، فتفهم. (مقد 2، 921، 6)

-إنّ كل طبقة من طباق أهل العمران من مدينة أو إقليم لها قدرة على من دونها من الطباق، وكل واحد من الطبقة السفلى يستمدّ بذي الجاه من أهل الطبقة التي فوق؛ ويزداد كسبه تصرّفا فيمن تحت يده على قدر ما يستفيد منه. والجاه على ذلك داخل على الناس في جميع أبواب المعاش، ويتّسع ويضيق بحسب الطبقة والطور الذي فيه صاحبه. فإن كان الجاه متّسعا كان الكسب الناشئ عنه كذلك، وإن كان ضيّقا قليلا فمثله. وفاقد الجاه وإن كان له مال فلا يكون يساره إلّا بمقدار عمله أو ماله ونسبة سعيه ذاهبا وآئبا في تنميته كأكثر التجّار وأهل الفلاحة في الغالب، وأهل الصنائع كذلك إذا فقدوا الجاه واقتصروا على فوائد صنائعهم، فإنّهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة في الأكثر، ولا تسرع إليهم ثروة، وإنّما يرمّقون العيش ترميقا ويدافعون ضرورة الفقر مدافعة. وإذا تقرّر ذلك وأنّ الجاه متفرّع وأنّ السعادة والخير مقترنان بحصوله، علمت أنّ بذله وإفادته من أعظم النعم وأجلها، وأنّ باذله من أجلّ المنعمين. وإنّما يبذله لمن تحت يديه فيكون بذله بيد عالية وعزّة، فيحتاج طالبه ومبتغيه إلى خضوع وتملّق كما يسأل أهل العز والملوك، وإلا فيتعذّر حصوله.

فلذلك قلنا إنّ الخضوع والتملّق من أسباب حصول هذا الجاه المحصّل للسعادة والكسب، وإنّ أكثر أهل الثروة والسعادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت