فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 1207

-الشعر: ... هذا الفن من فنون كلام العرب وهو المسمّى بالشعر عندهم.

ويوجد في سائر اللغات ... وهو في لسان العرب غريب النزعة عزيز المنحى؛ إذ هو كلام مفصل قطعا قطعا متساوية في الوزن متّحدة في الحرف الأخير من كل قطعة.

وتسمّى كل قطعة من هذه القطعات عندهم بيتا؛ ويسمّى الحرف الأخير الذي تتّفق فيه رويّا وقافية؛ ويسمّى جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة. وينفرد كل بيت منه بإفادته في تراكيبه حتى كأنه كلام وحده مستقلّ عمّا قبله وما بعده. وإذا أفرد كان تامّا في بابه في مدح أو تشبيب أو رثاء.

فيحرص الشاعر على إعطاء ذلك في البيت ما يستقلّ في إفادته. ثم يستأنف في البيت الآخر كلاما آخر كذلك. ويستطرد للخروج من فن إلى فن ومن مقصود إلى مقصود بان يوطئ المقصود الأول ومعانيه إلى أن تناسب المقصود الثاني، ويبعد الكلام عن التنافر، كما يستطرد من التشبيب إلى المدح، ومن وصف البيداء والطلول إلى وصف الركاب أو الخيل أو الطيف، ومن وصف الممدوح إلى وصف قومه وعساكره، ومن التفجّع والعزاء في الرثاء إلى التأثّر وأمثال ذلك. ويراعى فيه اتّفاق القصيدة كلها في الوزن الواحد حذرا من أن يتساهل الطبع في الخروج من وزن إلى وزن يقاربه، فقد يخفى ذلك من أجل المقاربة على كثير من الناس. ولهذه الموازين شروط وأحكام تضمّنها علم العروض وليس كل وزن يتّفق في الطبع استعملته العرب في هذا الفن؛ وإنما هي أوزان مخصوصة تسمّيها أهل تلك الصناعة البحور. وقد حصروها في خمسة عشر بحرا، بمعنى أنهم لم يجدوا للعرب في غيرها من الموازين الطبيعية نظما. واعلم أن فن الشعر من بين الكلام كان شريفا عند العرب، ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأخبارهم، وشاهد صوابهم وخطئهم، وأصلا يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم. وكانت ملكته مستحكمة فيهم شأن الملكات كلها. والملكات اللسانية كلها إنما تكتسب بالصناعة والارتياض في كلامهم حتى يحصل شبه في تلك الملكة.

والشعر من بين فنون الكلام صعب المأخذ على من يريد اكتساب ملكته بالصناعة من المتأخّرين لاستقلال كل بيت منه بأنه كلام تام في مقصوده، ويصلح أن ينفرد دون ما سواه. فيحتاج من أجل ذلك إلى نوع تلطّف في تلك الملكة، حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب، ويبرزه مستقلّا بنفسه، ثم يأتي بيت آخر كذلك، ثم ببيت، ويستكمل الفنون الوافية بمقصوده، ثم يناسب بين البيوت في موالاة بعضها مع بعض بحسب اختلاف الفنون التي في القصيدة. ولصعوبة منحاه وغرابة فنه كان محكا للقرائح في استجادة أساليبه وشحذ الأفكار في تنزيل الكلام في قوالبه. ولا يكفي فيه ملكة الكلام العربي على الإطلاق، بل يحتاج بخصوصه إلى تلطّف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت