فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 1207

-إنّ معنى التجارة تنمية المال بشراء البضائع ومحاولة بيعها بأغلى من ثمن الشراء، إمّا بانتظار حوالة الأسواق أو نقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى، أو بيعها بالغلاء على الآجال. وهذا الربح بالنسبة إلى أصل المال يسير. إلّا أنّ المال إذا كان كثيرا عظم الربح، لأنّ القليل في الكثير كثير.

ثم لا بدّ في محاولة هذه التنمية الذي هو الربح من حصول هذا المال بأيدي الباعة بشراء البضائع وبيعها وتقاضي أثمانها.

وأهل النّصفة قليل؛ فلا بدّ من الغشّ والتطفيف المجحف بالبضائع، ومن المطل في الأثمان المجحف بالربح، كتعطيل المحاولة في تلك المدّة وبها نماؤه، ومن الجحود والإنكار المسحت لرأس المال إن لم يتقيّد بالكتاب والشهادة. وغناء الحكام في ذلك قليل، لأن الحكم إنّما هو على الظاهر فيعاني التاجر من ذلك أحوالا صعبة، ولا يكاد يحصل على ذلك التافه من الربح إلّا بعظم العناء والمشقّة، أو لا يحصل أو يتلاشى رأس ماله. فإن كان جريئا على الخصومة، بصيرا بالحسبان، شديد المماحكة، مقداما على الحكّام، كان ذلك أقرب له إلى النّصفة بجراءته منهم ومماحكته؛ وإلّا فلا بدّ له من جاه يدّرع به، يوقع له الهيبة عند الباعة ويحمل الحكام على إنصافه من معامليه، فيحصل له بذلك النّصفة في ماله طوعا في الأول وكرها في الثاني. وأما من كان فاقدا للجراءة والإقدام من نفسه فاقد الجاه من الحكام فينبغي له أن يجتنب الاحتراف بالتجارة، لأنّه يعرّض ماله للضياع والذهاب ويصير مأكلة للباعة، ولا يكاد ينتصف منهم لأنّ الغالب في الناس، وخصوصا الرعاع والباعة، شرهون إلى ما في أيدي الناس سواهم، متوثبون عليه؛ ولو لا وازع الأحكام لأصبحت أموال الناس نهبا. (مقد 2، 928، 10)

-إنّ رخص الأسعار مضرّ بالمحترفين بالرخيص، وذلك أنّ الكسب والمعاش كما قدّمناه إنّما هو بالصنائع أو التجارة؛ والتجارة هي شراء البضائع والسلع وادخارها يتحيّن بها حوالة الأسواق بالزيادة في أثمانها ويسمّى ربحا، ويحصل منه الكسب والمعاش للمحترفين بالتجارة دائما، فإذا استديم الرخص في سلعة أو عرض من مأكول أو ملبوس أو متموّل على الجملة، ولم يحصل للتاجر حوالة الأسواق فسد الربح والنماء بطول تلك المدة، وكسدت سوق ذلك الصنف، فقعد التجّار عن السعي فيها، وفسدت رءوس أموالهم. واعتبر ذلك أولا بالزرع فإنّه إذا استديم رخصه يفسد به حال المحترفين بسائر أطواره من الفلح والزراعة لقلّة الربح فيه وندارته أو فقده، فيفقدون النماء في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت