فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 1207

لفظ الوزير يعرف بين المسلمين لذهاب رتبة الملك بسذاجة الإسلام. وكذا عمر مع أبي بكر، وعلي وعثمان مع عمر. وأمّا حال الجباية والإنفاق والحسبان فلم يكن عندهم برتبة؛ لأنّ القوم كانوا عربا أميّين لا يحسنون الكتاب والحساب فكانوا يستعملون في الحساب أهل الكتاب أو أفرادا من موالي العجم ممن يجيده؛ وكان قليلا فيهم؛ وأمّا أشرافهم فلم يكونوا يجيدونه، لأنّ الأميّة كانت صفتهم التي امتازوا بها. وكذا حال المخاطبات وتنفيذ الأمور لم تكن عندهم رتبة خاصة للأميّة التي كانت فيهم والأمانة العامّة في كتمان القول وتأديته، ولم تحوج السياسة إلى اختياره، لأن الخلافة إنّما هي دين ليست من السياسة الملكيّة في شي ء. (مقد 2، 667، 8)

-إذ قد بيّنا حقيقة هذا المنصب (الخلافة) ، وأنّه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به، سمّي خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإماما. وسمّاه المتأخرون سلطانا حين فشا التعدّد فيه واضطرّوا بالتباعد وفقدان شروط المنصب إلى عقد البيعة لكل متغلّب. فأمّا تسميته فتشبيها بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به؛ ولهذا يقال الإمامة الكبرى. وأمّا تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمّته، فيقال خليفة بإطلاق، وخليفة رسول اللّه.

واختلف في تسميته خليفة اللّه. فأجازه بعضهم اقتباسا من الخلافة العامّة التي للآدميين في قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة: 30) وقوله جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ(الأنعام:

165). ومنع الجمهور منه؛ لأنّ معنى الآية ليس عليه؛ وقد نهى أبو بكر عنه لما دعي به، وقال: «لست خليفة اللّه، ولكنّي خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم» ؛ ولأنّ الاستخلاف إنّما هو في حق الغائب وأمّا الحاضر فلا. (مقد 2، 578، 15)

-تبيّن لك كيف انقلبت الخلافة إلى الملك.

وأنّ الأمر كان في أوّله خلافة، ووازع كل أحد فيها من نفسه وهو الدين، وكانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى هلاكهم وحدهم دون الكافة. فهذا عثمان لما حصر في الدار جاءه الحسن والحسين وعبد اللّه بن عمر وابن جعفر وأمثالهم يريدون المدافعة عنه، فأبى ومنع من سلّ السيوف بين المسلمين مخافة الفرقة وحفظا للألفة التي بها حفظ الكلمة، ولو أدّى إلى هلاكه. وهذا عليّ أشار عليه المغيرة لأول ولايته باستبقاء الزبير ومعاوية وطلحة على أعمالهم حتى يجتمع الناس على بيعته، وتتّفق الكلمة، وله بعد ذلك ما شاء من أمره وكان ذلك من سياسة الملك، فأبى فرارا من الغش الذي ينافيه الإسلام. وغدا عليه المغيرة من الغداة فقال لقد أشرت عليك بالأمس بما أشرت ثم عدت إلى نظري فعلمت أنّه ليس من الحق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت