وهذا كلّه إنّما حمل عليه منازع الملك التي هي مقتضى العصبية. فالملك إذا حصل وفرضنا أنّ الواحد انفرد به وصرفه في مذاهب الحق ووجوهه لم يكن في ذلك نكير عليه. (مقد 2، 604، 6)
-أمّا أهل الأقاليم الثلاثة المتوسطة، أهل الاعتدال في خلقهم وخلقهم وسيرهم وكافة الأحوال الطبيعية للاعتمار لديهم من المعاش والمسكن والصنائع والعلوم والرئاسات والملك، فكانت فيهم النبوّات والملك والدول والشرائع والعلوم والبلدان والأمصار والمباني والفراسة والصنائع الفائقة وسائر الأحوال المعتدلة. وأهل هذه الأقاليم التي وقفنا على أخبارهم مثل العرب والروم وفارس وبني إسرائيل واليونان وأهل السند والهند والصين.
(مقد 1، 390، 15)
أهل بيت وأخوّة
-اعلم أنّ كل حيّ أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ففيهم أيضا عصبيّات أخرى لأنساب خاصّة هي أشدّ التحاما من النّسب العام لهم، مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو إخوة بني أب واحد لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين. فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام. والنّعرة تقع عن أهل نسبهم المخصوص وعن أهل النسب العام؛ إلا أنّها في النسب الخاص أشدّ لقرب اللحمة. (مقد 2، 488، 5)
-اعلم أنّ هذه الأقاليم المعتدلة ليس كلها يوجد بها الخصب وكل سكانها في رغد من العيش؛ بل فيها ما يوجد لأهله خصب العيش، من الحبوب والأدم والحنطة والفواكه لزكاة المنابت واعتدال الطينة ووفر العمران؛ وفيها الأرض الحرّة التي لا تنبت زرعا ولا عشبا بالجملة، فسكانها في شظف من العيش: مثل أهل الحجاز وجنوب اليمن ومثل الملثّمين من صنهاجة الساكنين بصحراء المغرب وأطراف الرمال فيما بين البربر والسودان، فإنّ هؤلاء يفقدون الحبوب والأدم جملة، وإنّما أغذيتهم وأقواتهم الألبان واللحوم؛ ومثل العرب أيضا الجائلين في القفار، فإنّهم وإن كانوا يأخذون الحبوب والأدم من التلول إلّا أنّ ذلك في الأحايين وتحت رقبة من حاميتها، وعلى الإقلال لقلّة وجدهم فلا يتوصلون منه إلى سدّ الخلّة أو دونها فضلا عن الرغد والخصب، وتجدهم يقتصرون في غالب أحوالهم على الألبان وتعوّضهم من الحنطة أحسن معاض. وتجد مع ذلك هؤلاء الفاقدين للحبوب والأدم من أهل القفار أحسن حالا في جسومهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في العيش: فألوانهم أصفى؛ وأبدانهم أنقى؛ وأشكالهم أتم وأحسن؛ وأخلاقهم أبعد من الانحراف؛