نقصد من الحديث عن فضاء عالم ما إماطة اللّثام عن العوامل البيئية والمؤثّرات الموضوعية المحيطة بشخص هذا العالم. وقد تكون هذه العوامل فكرية أو سياسية أو اجتماعية، لكنها وبغير شكّ مؤثّرة في شخصيته وفي أسلوب صياغة نظريّته بل ومحتواها كذلك. فالنظرية والفكر وليدا ظرفهما وعصرهما.
وكغيره من علماء هذه السلسلة الموسوعية، تأثّر الجرجاني بالتيّارات الفكرية الكبرى المسيطرة على الثقافة والحياة الفكرية في الحضارة العربية والإسلامية ومن خلال الفسحة الزمنية الممتدّة بين القرن الثالث الهجري وبدايات عصر النهضة. وتتلخّص هذه التيّارات بأربع كبرى: الكلام، والفلسفة، والتصوّف، والتشيّع (الباطنية) . وقد سبق ذكرها في مقدّمة موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي فليس من حاجة إلى التكرار.
آثرنا في هذه المقدمة تركيز البحث حول فكر الجرجاني نفسه وبيئته بالذات، والتحوّلات السياسية والنفسية التي عاشها هو، وأثرها على صياغته للتعريفات وتخريجه لألفاظها، في زمن غلب على الحياة الفكرية فيه الاهتمام بالشرح والحواشي عوض التأليف والتجديد «1» .
(1) موجز دائرة المعارف الإسلامية، 9/ 2694.