ويؤنس منه العجز عن القيام بالملك، فيقوم به كافله من وزراء أبيه وحاشيته ومواليه أو قبيله، ويورّي عنه بحفظ أمره عليه؛ حتى يؤنس منه الاستبداد، ويجعل ذلك ذريعة للملك. فيحجب الصبيّ عن الناس، ويعوّده اللذات التي يدعوه إليها ترف أحواله، ويسيمه في مراعيها متى أمكنه، وينسيه النظر في الأمور السلطانيّة، حتى يستبدّ عليه. وهو بما عوّده يعتقد أنّ حظّ السلطان من الملك إنّما هو جلوس السرير وإعطاء الصفقة، وخطاب التهويل، والقعود مع النساء خلف الحجاب، وأنّ الحل والربط والأمر والنهي ومباشرة الأحوال المملوكيّة وتفقّدها من النظر في الجيش والمال والثغور إنّما هو للوزير؛ ويسلّم له في ذلك، إلى أن تستحكم له صبغة الرئاسة والاستبداد، ويتحوّل الملك إليه ويؤثر به عشيرته وأبناءه من بعده. كما وقع لبني بويه والترك وكافور الاخشيدي وغيرهم بالمشرق، وللمنصور بن أبي عامر بالأندلس. وقد يتفطّن ذلك المحجور المغلّب لشأنه فيحاول على الخروج من ربقة الحجر والاستبداد، ويرجع الملك إلى نصابه، ويضرب على أيدي المتغلّبين عليه، إمّا بقتل أو برفع عن الرتبة فقط.
(مقد 2، 571، 4)
-إذا سمعنا عن شي ء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله ممّا نحكم بتزييفه. وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرّى به المؤرّخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه. (مقد 1، 331، 12)
-للعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الأخبار، وتحمل عليها الروايات والآثار.
(مقد 1، 283، 16)
-الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرّد النقل، ولم تحكّم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربّما لم يؤمن فيها من العثور ومزلّة القدم والحيد عن جادة الصدق. (مقد 1، 291، 9)
-الأخبار عن الواقعات فلا بدّ في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة. فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعها، وصار فيها ذلك أهم من التعديل ومقدّما عليه؛ إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط، وفائدة الخبر منه ومن الخارج بالمطابقة. وإذا كان ذلك فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميّز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه، وما يكون عارضا لا يعتدّ به وما لا يمكن أن يعرض له. وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار والصدق من