البداوة والخشونة أنفع من الذين يربّون على الحضارة وخلقها. وهذا موجود في كل دولة. (مقد 2، 892، 5)
-أهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها، قد تلوّثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشرّ، وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك. حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم؛ فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم، لا يصدّهم عنه وازع الحشمة، لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولا وعملا. وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنّه في المقدار الضروريّ لا في الترف ولا في شي ء من أسباب الشهوات واللذّات ودواعيها. فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها؛ وما يحصل فيهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير فهو أقرب إلى الفطر الأولى وأبعد عمّا ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها؛ فيسهل علاجهم عن علاج الحضر؛ وهو ظاهر. (مقد 2، 474، 13)
-إنّ معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة منهم، وذلك أنّه ليس كل أحد مالك أمر نفسه؛ إذ الرؤساء والأمراء المالكون لأمر الناس قليل بالنسبة إلى غيرهم؛ فمن الغالب أن يكون الإنسان في ملكة غيره، ولا بدّ. فإن كانت الملكة رفيقة وعادلة لا يعانى منها حكم ولا منع وصدّ، كان من تحت يدها مدلّين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن، واثقين بعدم الوازع، حتى صار لهم الإدلال جبلّة لا يعرفون سواها. وأما إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم وتذهب المنعة عنهم، لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة كما نبيّنه ... وأمّا إذا كانت الأحكام بالعقاب فمذهبة للبأس بالكلّية؛ لأنّ وقوع العقاب به ولم يدافع عن نفسه يكسبه المذلّة التي تكسر من سورة بأسه بلا شكّ. وأمّا إذا كانت الأحكام تأديبيّة وتعليميّة وأخذت من عهد الصبا أثرت في ذلك بعض الشي ء لمرباه على المخافة والانقياد، فلا يكون مدلّا ببأسه. ولهذا نجد المتوحّشين من العرب أهل البدو أشدّ بأسا ممن تأخذه الأحكام. ونجد أيضا الذين يعانون الأحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في الصنائع والعلوم والديانات ينقص ذلك من بأسهم كثيرا، ولا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه. وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والأخذ عن المشايخ والأئمة الممارسين للتعليم والتأديب في مجالس الوقار والهيبة؛ فيهم هذه الأحوال وذهابها بالمنعة والبأس.
(مقد 2، 479، 8)