قدر عظم الدولة يكون شأنها في الحضارة؛ إذ أمور الحضارة من توابع الترف، والترف من توابع الثروة والنعمة، والثروة والنعمة من توابع الملك ومقدار ما يستولي عليه أهل الدولة. فعلى نسبة الملك يكون ذلك كله. فاعتبره وتفهمه وتأمله تجده صحيحا في العمران. (مقد 2، 552، 9)
-يحدث لبعض أهل النصاب الملكيّ دولة تستغني عن العصبية، وذلك أنّه إذا كان لعصبيّته غلب كبير على الأمم والأجيال وفي نفوس القائمين بأمره من أهل القاصية إذعان لهم وانقياد، فإذا نزع إليهم هذا الخارج وانتبذ عن مقر ملكه ومنبت عزّه، اشتملوا عليه وقاموا بأمره وظاهروه على شأنه وعنوا بتمهيد دولته، يرجون استقراره في نصابه، وتناوله الأمر من يد أعياصه، وجزاءه لهم على مظاهرته باصطفائهم لرتب الملك وخططه من وزارة أو قيادة أو ولاية ثغر، ولا يطمعون في مشاركته في شي ء من سلطانه، تسليما لعصبيّته، وانقيادا لما استحكم له ولقومه من صبغة الغلب في العالم، وعقيدة إيمانيّة استقرّت في الإذعان لهم، فلو راموها معه أو دونه لزلزلت الأرض زلزالها. (مقد 2، 525، 1)
-إنّ نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأنّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي اللّه عنه وتسليم النظر إليه في أمورهم.
وكذا في كلّ عصر من بعد ذلك. ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار.
واستقرّ ذلك إجماعا دالّا على وجوب نصب الإمام. وقد ذهب بعض الناس إلى أنّ مدرك وجوبه العقل، وأنّ الإجماع الذي وقع إنّما هو قضاء بحكم العقل فيه.
قالوا وإنّما وجب بالعقل لضرورة الاجتماع للبشر واستحاله حياتهم ووجودهم منفردين، ومن ضرورة الاجتماع التنازع لازدحام الأغراض. فما لم يكن الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر وانقطاعهم؛ مع أنّ حفظ النوع من مقاصد الشرع الضروريّة. وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظه الحكماء في وجوب النبوات في البشر، وقد نبّهنا على فساده، وأنّ إحدى مقدماته أنّ الوازع إنّما يكون بشرع من اللّه تسلّم له الكافّة تسليم إيمان واعتقاد وهو غير مسلّم؛ لأنّ الوازع قد يكون بسطوة الملك وقهر أهل الشوكة ولو لم يكن شرع، كما في أمم المجوس وغيرهم ممن ليس له كتاب أو لم تبلغه الدعوة؛ أو نقول يكفي في رفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه بحكم العقل. فادعاؤهم أنّ ارتفاع التنازع إنّما يكون بوجود الشرع هناك ونصب الإمام هنا غير صحيح؛ بل كما يكون بنصب الإمام يكون بوجود الرؤساء أهل الشركة أو بامتناع الناس عن التنازع والتظالم؛ فلا