فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 1207

كانت الحرب. وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل. وسبب هذا الانتقام في الأكثر: إمّا غيرة ومنافسة؛ وإمّا عدوان؛ وإمّا غضب للّه ولدينه؛ وإمّا غضب للملك وسعي في تمهيده. فالأول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة. والثاني وهو العدوان أكثر ما يكون من الأمم الوحشيّة الساكنين بالقفر كالعرب والترك والتركمان والأكراد وأشباههم؛ لأنّهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم، ومعاشهم فيما بأيدي غيرهم، ومن دافعهم عن متاعه آذنوه بالحرب، ولا بغية لهم فيما وراء ذلك من رتبة ولا ملك، وإنّما همّهم ونصب أعينهم غلب الناس على ما في أيديهم. والثالث هو المسمّى في الشريعة بالجهاد. والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها. فهذه أربعة أصناف من الحروب: الصنفان الأولان منها حروب بغي وفتنة؛ والصنفان الأخيران حروب جهاد وعدل. (مقد 2، 715، 3)

-وصفة الحروب الواقعة بين الخليقة منذ أوّل وجودهم على نوعين: نوع بالزحف صفوفا؛ ونوع بالكرّ والفرّ. أمّا الذي بالزحف فهو قتال العجم كلّهم على تعاقب أجيالهم. وأمّا الّذي بالكرّ والفرّ فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب. (مقد 2، 715، 17)

-لا وثوق في الحرب بالظّفر وإن حصلت أسبابه من العدّة والعديد؛ وإنّما الظّفر فيها والغلب من قبيل البخت والاتّفاق، وبيان ذلك أنّ أسباب الغلب في الأكثر مجتمعة من أمور ظاهرة وهي الجيوش ووفورها وكمال الأسلحة واستجادتها وكثرة الشجعان وترتيب المصاف، ومنه صدق القتال وما جرى مجرى ذلك، ومن أمور خفية وهي إما من خدع البشر وحيلهم في الإرجاف والتشانيع التي يقع بها التخذيل، وفي التقدّم إلى الأماكن المرتفعة، ليكون الحرب من أعلى فيتوهّم المنخفض لذلك، وفي الكمون في الغياض ومطمئن الأرض والتواري بالكدى عن العدو حتى يتداولهم العسكر دفعة وقد تورطوا فيتلفتون إلى النجاة، وأمثال ذلك. وإما أن تكون تلك الأسباب الخفيّة أمورا سماوية لا قدرة للبشر على اكتسابها تلقى في القلوب، فيستولي الرّهب عليهم لأجلها فتختل مراكزهم فتقع الهزيمة. وأكثر ما تقع الهزائم عن هذه الأسباب الخفية لكثرة ما يعتمل لكل واحد من الفريقين فيها حرصا على الغلب، فلا بدّ من وقوع التأثير في ذلك لأحدهما ضرورة. ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم: «الحرب خدعة» . ومن أمثال العرب: «ربّ حيلة أنفع من قبيلة» . فقد تبيّن أنّ وقوع الغلب في الحروب غالبا عن أسباب خفية غير ظاهرة، ووقوع الأشياء عن الأسباب الخفيّة هو معنى البخت كما تقرّر في موضعه. (مقد 2، 726، 13)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت