1 -التاريخ والدورة الخلدونية
مثّل ابن خلدون في بعض توجّهاته الثقافية والفكرية النزعة العربية في بنيانها الخاص، لا سيّما تلك النزعة التي تستمدّ معارفها من مصدرين: النص والتجربة الواقعية، أو الوقائع العملية. والشاهد على ذلك أقواله المتعدّدة ومنها:
«إن حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران ... وما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال» «1» . ويذكر في موضع آخر أن من المغالط في الحكايات والوقائع عدم اعتمادها على النقد، وقبولها استنادا إلى النقل عن الآخرين من دون سبر، «بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار» «2» .
والبيّن هنا أن ابن خلدون، على الرغم من أشعريته المنادية بالكسب وبعدم الإقرار بالعلل المؤثّرة، فإنه يعبّر بطريق غير مباشر عن مبدأين هما:
الاعتراف بوجود طبائع في العمران، تحدث عنها الأحوال في الاجتماع، وتعرّض العمران عينه لتغيّرات. وهذان المبدءان مأخوذان من أسّ التجربة المحسوسة التي تشاهد المتغيّرات من الوقائع التاريخية، ولا تقف عند نقلها
(1) المقدمة، 1/ 328.
(2) المرجع السابق، 1/ 291.