فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 1207

-إنّ الغلب الذي يكون به الملك إنّما هو بالعصبيّة وبما يتبعها من شدّة البأس وتعوّد الافتراس؛ ولا يكون ذلك غالبا إلّا مع البداوة؛ فطور الدولة من أوّلها بداوة. ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه واتساع الأحوال، والحضارة إنّما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله؛ فلكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنّق فيه تختصّ به ويتلو بعضها بعضا؛ وتتكثّر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعّم بأحوال الترف؛ وما تتلوّن به من العوائد، فصار طور الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة؛ لضرورة تبعيّة الرفه للملك. وأهل الدول أبدا يقلّدون في طور الحضارة وأحوالها للدولة السابقة قبلهم فأحوالهم يشاهدون؛ ومنهم في الغالب يأخذون. ومثل هذا وقع للعرب لمّا كان الفتح وملكوا فارس والروم واستخدموا بناتهم وأبناءهم، ولم يكونوا لذلك العهد في شي ء من الحضارة. (مقد 2، 548، 7) - اعلم أنّ الدولة في أوّل أمرها تكون بعيدة عن منازع الملك، لأنّه لا بدّ لها من العصبيّة التي بها يتمّ أمرها ويحصل استيلاؤها، والبداوة هي شعار العصبية.

والدولة إن كان قيامها بالدين فإنّه بعيد عن منازع الملك؛ وإن كان قيامها بعز الغلب فقط فالبداوة التي بها يحصل الغلب بعيدة أيضا عن منازع الملك ومذاهبه، فإذا كانت الدولة في أوّل أمرها بدويّة كان صاحبها على حال الغضاضة والبداوة والقرب من الناس وسهولة الإذن. (مقد 2، 749، 6)

-الدولة إنما يحصل لها الملك والاستيلاء بالغلب، والغلب إنما يكون بعد العداوة والحروب، والعداوة تقتضي منافاة بين أهل الدولتين وتكثر إحداهما عن الأخرى في العوائد والأحوال، وغلب أحد المتنافيين يذهب بالمنافي الآخر، فتكون أحوال الدولة السابقة منكرة عند أهل الدولة الجديدة ومستبشعة وقبيحة، وخصوصا أحوال الترف، فتفقد في عرفهم بنكير الدولة لها، حتى تنشأ لهم بالتدريج عوائد أخرى من الترف، فتكون عنها حضارة مستأنفة. وفيما بين ذلك قصور الحضارة الأولى ونقصها. وهو معنى اختلال العمران في المصر. (مقد 2، 894، 1)

-اعلم أنّ كل حيّ أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ففيهم أيضا عصبيّات أخرى لأنساب خاصّة هي أشدّ التحاما من النسب العام لهم، مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو إخوة بني أب واحد لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين. فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام. والنّعرة تقع عن أهل نسبهم لمخصوص وعن أهل النسب العام؛ إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت