مشايخهم وكبراؤهم بما وقر في نفوس الكافّة لهم من الوقار والتّجلّة. وأمّا حللهم فإنّما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم. ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلّا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد؛ لأنّهم بذلك تشتدّ شوكتهم ويخشى جانبهم؛ إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم؛ وما جعل اللّه في قلوب عباده من الشفقة والنعرة على ذوي أرحامهم وقربائهم موجودة في الطبائع البشريّة، وبها يكون التعاضد والتناصر، وتعظم رهبة العدو لهم. (مقد 2، 483، 1)
-البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم، العاجزون عمّا فوقه، وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم. ولا شكّ أن الضروري أقدم من الحاجي والكمالي وسابق عليه؛ لأن الضروري أصل والكمالي فرع ناشئ عنه. فالبدو أصل للمدن والحضر وسابق عليهما؛ لأن أول مطالب الإنسان الضروري، ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا. فخشونة البداوة قبل رقّة الحضارة. ولهذا نجد التمدّن غاية للبدوي يجري إليها، وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها. (مقد 2، 473، 9)
-مما يشهد لنا أنّ البدو أصل للحضر ومتقدّم عليه، أنّا إذا فتشنا أهل مصر من الأمصار وجدنا أوّليّة أكثرهم من أهل البدو الذين بناحية ذلك المصر وفي قراه، وأنّهم أيسروا فسكنوا المصر وعدلوا إلى الدعة والترف الذي في الحضر. وذلك يدلّ على أنّ أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة وأنّها أصل لها، فتفهمه.
(مقد 2، 473، 19)
-إنّ أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر، وسببه أنّ النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيّئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر؛ قال صلى اللّه عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (سنن الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة، ح 2138، 4/ 447) . وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه: فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بعد عن الشرّ وصعب عليه طريقه؛ وكذا صاحب الشرّ إذا سبقت إليه أيضا عوائده.
وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها، قد تلوّثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشرّ، وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك. حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم؛ فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم، لا يصدّهم عنه وازع الحشمة، لما أخذتهم