-لما انقلبت الخلافة إلى الملك وجاءت رسوم السلطان وألقابه كان أول شي ء بدئ به في الدولة شأن الباب وسدّه دون الجمهور بما كانوا يخشون على أنفسهم من اغتيال الخوارج وغيرهم، كما وقع بعمر وعلي ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم، مع ما في فتحه من ازدحام الناس عليهم وشغلهم بهم عن المهمّات، فاتّخذوا من يقوم لهم بذلك وسمّوه الحاجب. وقد جاء أن عبد الملك لما ولى حاجبه قال له: قد ولّيتك حجابة بابي إلا عن ثلاثة: المؤذن للصلاة فإنّه داعي اللّه؛ وصاحب البريد فأمر ما جاء به؛ وصاحب الطعام لئلا يفسد. ثم استفحل الملك بعد ذلك فظهر المشاور والمعين في أمور القبائل والعصائب واستئلافهم؛ وأطلق عليه اسم الوزير. وبقي أمر الحسبان في الموالي والذمّيين. واتّخذ للسجلات كاتب مخصوص حوطة على أسرار السلطان أن تشتهر فتفسد سياسته مع قومه؛ ولم يكن بمثابة الوزير لأنّه إنّما احتيج له من حيث الخطّ والكتاب لا من حيث اللسان الذي هو الكلام؛ إذ اللسان لذلك العهد على حاله لم يفسد. فكانت الوزارة لذلك أرفع رتبهم يومئذ. هذا في سائر دولة بني أميّة. فكان النظر للوزير عامّا في أحوال التدبير والمفاوضات وسائر أمور الحمايات والمطالبات وما يتبعها من النظر في ديوان الجند وفرض العطاء بالأهلّة وغير ذلك. (مقد 2، 667، 17)
-أمّا دولة بني أميّة بالأندلس فأنفوا اسم الوزير في مدلوله أوّل الدولة، ثم قسموا خطته أصنافا وأفردوا لكل صنف وزيرا:
فجعلوا لحسبان المال وزيرا؛ وللترسيل وزيرا. وللنظر في حوائج المنظلمين وزيرا؛ وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيرا. وجعل لهم بيت يجلسون فيه على فرش منضدة لهم، وينفذون أمر السلطان هناك كل فيما جعل له. وأفرد للتردّد بينهم وبين الخليفة واحد منهم ارتفع عنهم بمباشرة السلطان في كل وقت. فارتفع مجلسه عن مجالسهم وخصّوه باسم الحاجب؛ عن مجالسهم وخصّوه باسم الحاجب؛ ولم يزل الشأن هذا إلى آخر دولتهم. فارتفعت خطّة الحاجب ومرتبته على سائر الرتب، حتى صار ملوك الطوائف ينتحلون لقبها، فأكثرهم يومئذ يسمّى الحاجب كما نذكره. (مقد 2، 670، 14)
-أمّا بنو أبي حفص بإفريقية فكانت الرئاسة في دولتهم أوّلا والتقديم لوزير الرأي والمشورة؛ وكان يخصّ باسم شيخ الموحدين، وكان له النظر في الولايات والعزل وقود العساكر والحروب. واختصّ الحسبان والديوان برتبة أخرى، ويسمّى متولّيها بصاحب الأشغال ينظر فيها النظر