المذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التحاسد والتنافس. فإذا كان فيهم النبيّ أو الوليّ الذي يبعثهم على القيام بأمر اللّه، ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها، ويؤلّف كلمتهم لإظهار الحق، تمّ اجتماعهم وحصل لهم التغلّب والملك. (مقد 2، 516، 11)
-التغلّب إنما يكون بالعصبية واتّفاق الأهواء على المطالبة. (مقد 2، 526، 7)
-إذا حصل التغلّب بتلك العصبية على قومها طلبت بطبعها التغلّب على أهل عصبية أخرى بعيدة عنها. فإن كافأتها أو مانعتها كانوا أقتالا وأنظارا، ولكل واحدة منهما التغلّب على حوزتها وقومها، شأن القبائل والأمم المفترقة في العالم. وإن غلبتها واستتبعتها التحمت بها أيضا، وزادتها قوة في التغلّب إلى قوّتها، وطلبت غاية من التغلّب والتحكّم أعلى من الغاية الأولى وأبعد. وهكذا دائما حتى تكافئ بقوّتها قوّة الدولة. فإن أدركت الدولة في هرمها ولم يكن لها ممانع من أولياء الدولة أهل العصبيات استولت عليها وانتزعت الأمر من يدها، وصار الملك أجمع لها. وإن انتهت إلى قوتها ولم يقارن ذلك هرم الدولة وإنما قارن حاجتها إلى الاستظهار بأهل العصبيات انتظمتها الدولة في أوليائها تستظهر بها على ما يعن من مقاصدها.
وذلك ملك آخر دون الملك المستبد. وهو كما وقع للترك في دولة بني العباس، ولصنهاجة وزناتة مع كتامة، ولبني حمدان مع ملوك الشيعة من العلوية والعباسية.
(مقد 2، 500، 5)
تغلّب ملكيّ
-إنّ العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه؛ وقدمنا أنّ الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض؛ فلا بدّ أن يكون متغلّبا عليهم بتلك العصبيّة، وإلّا لم تتم قدرته على ذلك.
وهذا التغلّب هو الملك، وهو أمر زائد على الرئاسة؛ لأنّ الرئاسة إنّما هي سؤدد وصاحبها متبوع، وليس له عليهم قهر في أحكامه؛ وأمّا الملك فهو التغلّب والحكم بالقهر. وصاحب العصبيّة إذا بلغ إلى رتبة طلب ما فوقها؛ فإذا بلغ رتبة السؤدد والاتّباع ووجد السبيل إلى التغلّب والقهر لا يتركه لأنّه مطلوب للنفس. ولا يتمّ اقتدارها عليه إلّا بالعصبيّة التي يكون بها متبوعا. فالتغلّب الملكي غاية للعصبية كما رأيت. (مقد 2، 499، 15)
-تفاوت البيوت في أهل الشرف بتفاوت العصبيّة؛ لأنّه سرّها. ولا يكون للمنفردين من أهل الأمصار بيت إلّا بالمجاز؛ وإن توهموه فزخرف من الدعاوى. وإذا اعتبرت الحسب في أهل الأمصار، وجدت معناه أنّ الرجل منهم يعدّ سلفا في خلال الخير ومخالطة أهله مع الركون إلى العافية ما استطاع، وهذا مغاير لسرّ