فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 1207

إلى غيرهم؛ فمن الغالب أن يكون الإنسان في ملكة غيره، ولا بدّ، فإن كانت الملكة رفيقة وعادلة لا يعانى منها حكم ولا منع وصد، كان من تحت يدها مدلّين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن، واثقين بعدم الوازع، حتى صار لهم الإدلال جبلّة لا يعرفون سواها. وأما إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم وتذهب المنعة عنهم، لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة كما نبيّنه ... وأمّا إذا كانت الأحكام بالعقاب فمذهبة للبأس بالكلّية؛ لأنّ وقوع العقاب به ولم يدافع عن نفسه يكسبه المذلّة التي تكسر من سورة بأسه بلا شكّ. وأمّا إذا كانت الأحكام تأديبيّة وتعليميّة وأخذت من عهد الصبا أثرت في ذلك بعض الشي ء لمرباه على المخافة والانقياد، فلا يكون مدلّا ببأسه. ولهذا نجد المتوحّشين من العرب أهل البدو أشدّ بأسا ممن تأخذه الأحكام. ونجد أيضا الذين يعانون الأحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في الصنائع والعلوم والديانات ينقص ذلك من بأسهم كثيرا، ولا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه. وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والأخذ عن المشايخ والأئمة الممارسين للتعليم والتأديب في مجالس الوقار والهيبة؛ فيهم هذه الأحوال وذهابها بالمنعة والبأس.

(مقد 2، 480، 5)

-إنّ كل دولة لها حصّة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها، والسبب في ذلك أنّ عصابة الدولة وقومها القائمين بها الممهدين لها لا بدّ من توزيعهم حصصا على الممالك والثغور التي تصير إليهم، ويستولون عليها لحمايتها من العدو، وإمضاء أحكام الدولة فيها من جباية وردع وغير ذلك. فإذا توزعت العصائب كلها على الثغور والممالك فلا بدّ من نفاد عددها، وقد بلغت للمالك حينئذ إلى حدّ يكون ثغرا للدولة؛ وتخما لوطنها؛ ونطاقا لمركز ملكها. (مقد 2، 532، 20)

أحكام سلطانيّة وتعليمية

-الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس لأن الوازع فيها أجنبي؛ وأما الشرعية فغير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي. ولهذا كانت هذه الأحكام السلطانية والتعليمية ممّا تؤثّر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وخضد الشوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم وكهولهم؛ والبدو بمعزل عن هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السلطان والتعليم والآداب. (مقد 2، 481، 13)

-لمّا تناقص الدين في الناس وأخذوا بالأحكام الوازعة ثم صار الشرع علما وصناعة يؤخذ بالتعليم والتأديب، ورجع الناس إلى الحضارة وخلق الانقياد إلى الأحكام، نقصت بذلك سورة البأس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت