فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 1207

ملوك على قومهم في النواحي القاصية يدينون بطاعة الدولة التي جمعتهم: مثل صنهاجة مع العبيديّين؛ وزناتة مع الأمويّين تارة والعبيديّين تارة أخرى؛ ومثل ملوك العجم في دولة بني العباس؛ ومثل أمراء البربر وملوكهم مع الفرنجة قبل الإسلام؛ ومثل ملوك الطوائف من الفرس مع الإسكندر وقومه اليونانيين؛ وكثير من هؤلاء. فاعتبره تجده. (مقد 2، 574، 4)

-الملك والسلطان حصل لأوّليه مذ أول الدولة بعصبية قومه، وعصبيته التي استتبعتهم حتى استحكمت له ولقومه صبغة الملك والغلب؛ وهي لم تزل باقية وبها انحفظ رسم الدولة وبقاؤها. وهذا المتغلّب وإن كان صاحب عصبية من قبيل الملك أو الموالي والصنائع فعصبيته مندرجة في عصبية أهل الملك وتابعة لها، وليس له صبغة في الملك. وهو لا يحاول في استبداده انتزاع الملك ظاهرا وإنما يحاول انتزاع ثمراته من الأمر والنهي والحلّ والعقد والإبرام والنقض، يوهم فيها أهل الدولة أنه متصرّف عن سلطانه، منفّذ في ذلك من وراء الحجاب لأحكامه.

فهو يتجافى عن سمات الملك وشاراته وألقابه جهده، ويبعد نفسه عن التهمة بذلك، وإن حصل له الاستبداد لأنه مستتر في استبداده ذلك بالحجاب الذي ضربه السلطان وأوّلوه على أنفسهم عن القبيل منذ أول الدولة، ومغالط عنه بالنيابة. ولو تعرّض لشي ء من ذلك لنفسه عليه أهل العصبيّة وقبيل الملك، وحاولوا الاستئثار به دونه؛ لأنه لم تستحكم له في ذلك صبغة تحملهم على التسليم له والانقياد؛ فيهلك لأول وهلة. (مقد 2، 572، 3)

-اعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه من حسن شكله أو ملاحة وجهه أو عظم جثمانه أو اتّساع عمله أو جودة خطّه أو ثقوب ذهنه، وإنما مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم؛ فإن الملك والسلطان من الأمور الإضافية، وهي نسبة بين منتسبين. فحقيقة السلطان أنه المالك للرعية القائم في أمورهم عليهم: فالسلطان من له رعية؛ والرعية من لها سلطان؛ والصفة التي له من حيث إضافته لهم هي التي تسمّى الملكة وهي كونه يملكهم. فإذا كانت هذه الملكة وتوابعها من الجودة بمكان حصل المقصود من السلطان على أتمّ الوجوه؛ فإنها إن كانت جميلة صالحة كان ذلك مصلحة لهم؛ وإن كانت سيّئة متعسّفة كان ذلك ضررا عليهم وإهلاكا لهم. ويعود حسن الملكة إلى الرفق. فإن الملك إذا كان قاهرا، باطشا بالعقوبات، منقّبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذلّ؛ ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة فتخلّقوا بها، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم؛ وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات، ففسدت الحماية بفساد النيّات؛ وربما أجمعوا على قتله لذلك فتفسد الدولة ويخرّب السّياج؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت