-تنقسم الصنائع أيضا: إلى ما يختصّ بأمر المعاش ضروريّا كان أو غير ضروريّ؛ وإلى ما يختصّ بالأفكار التي هي خاصّية الإنسان من العلوم والصنائع والسياسة، ومن الأول الحياكة والجزارة والنجارة والحدادة وأمثالها؛ ومن الثاني الوراقة، وهي معاناة الكتب بالانتساج والتجليد، والغناء والشعر وتعليم العلم وأمثال ذلك؛ ومن الثالث الجنديّة وأمثالها. (مقد 2، 936، 3)
-اعلم أنّ الصنائع في النوع الإنسانيّ كثيرة لكثرة الأعمال المتداولة في العمران، فهي بحيث تشذّ عن الحصر ولا يأخذها العدّ.
إلا أنّ منها ما هو ضروريّ في العمران أو شريف بالموضوع فنخصّها بالذكر ونترك ما سواها. فأمّا الضروريّ فالفلاحة والبناء والخياطة والنجارة والحياكة. وأمّا الشريفة بالموضوع فكالتوليد والكتابة والوراقة والغناء والطب. فأمّا التوليد فإنّها ضروريّة في العمران وعامّة البلوى إذ بها تحصل حياة المولود وتتمّ غالبا، وموضوعها مع ذلك المولودون وأمهاتهم. وأمّا الطبّ فهو حفظ الصحّة للإنسان ودفع المرض عنه، ويتفرّع عن علم الطبيعة، وموضوعه مع ذلك بدن الإنسان. وأمّا الكتابة وما يتبعها من الوراقة فهي حافظة على الإنسان حاجته ومقيّدة لها عن النسيان، ومبلغة ضمائر النفس إلى البعيد الغائب، ومخلّدة نتائج الأفكار والعلوم في الصحف، ورافعة رتب الوجود للمعاني. وأمّا الغناء فهو نسب الأصوات ومظهر جمالها للأسماع. وكل هذه الصنائع الثلاث داع إلى مخالطة الملوك الأعاظم في خلواتهم ومجالس أنسهم، فلها بذلك شرف ليس لغيرها. وما سوى ذلك من الصنائع فتابعة وممتهنة في الغالب. وقد يختلف ذلك باختلاف الأغراض والدواعي. (مقد 2، 943، 6)
-إنّ الصنائع وكمالها إنّما هو بكمال الحضارة، وكثرتها بكثرة الطلب لها، فلذلك عند ما تكون الدولة بدويّة في أوّل أمرها تفتقر في أمر البناء إلى غير قطرها، كما وقع للوليد بن عبد الملك حين أجمع على بناء مسجد المدينة والقدس ومسجده بالشام، فبعث إلى ملك الروم بالقسطنطينية في الفعلة المهرة في البناء فبعث إليه منهم من حصّل له غرضه من تلك المساجد.
(مقد 2، 948، 15)
-قيمة الأعمال ... متفاوتة بحسب الحاجة إليها، فإذا كانت الأعمال ضروريّة في العمران عامّة البلوى به، كانت قيمتها أعظم وكانت الحاجة إليها أشدّ. وأهل هذه الصنائع الدينيّة لا تضطرّ إليهم عامّة الخلق، وإنّما يحتاج إلى ما عندهم الخواصّ ممن أقبل على دينه؛ وإن احتيج إلى الفتيا والقضاء في الخصومات فليس على وجه الاضطرار والعموم، فيقع الاستغناء عن هؤلاء في الأكثر. وإنّما يهتم بإقامة مراسمهم صاحب الدولة بما له من النظر في المصالح، فيقسم لهم حظّا من