ذلك في جميع آلات الأوتار توقع بأصابعها على أطراف الأوتار فيما يقرع أو يحكّ بالوتر، فتحدث الأصوات متناسبة ملذوذة. وقد يكون القرع في الطسوت بالقضبان أو في الأعواد بعضها ببعض على توقيع متناسب يحدث عنه التلذذ بالمسموع. (مقد 2، 977، 8)
-من البيّن أنّ الالتحام والاتصال موجود في طباع البشر، وإن لم يكونوا أهل نسب واحد؛ إلا أنّه كما قدّمناه أضعف مما يكون بالنسب، وأنّه تحصّل به العصبيّة بعضا مما تحصّل بالنسب. وأهل الأمصار كثير منهم ملتحمون بالصّهر، يجذب بعضهم بعضا إلى أن يكونوا لحما لحما وقرابة قرابة، وتجد بينهم من العداوة والصداقة ما يكون بين القبائل والعشائر مثله، فيفترقون شيعا وعصائب. فإذا نزل الهرم بالدولة وتقلّص ظلّ الدولة عن القاصية، احتاج أهل أمصارها إلى القيام على أمرهم، والنظر في حماية بلدهم، ورجعوا إلى الشورى وتميّز العلية عن السّفلة. والنفوس بطباعها متطاولة إلى الغلب والرئاسة، فتطمح المشيخة، لخلاء الجوّ من السلطان والدولة القاهرة، إلى الاستبداد، وينازع كل صاحبه، ويستوصلون بالأتباع من الموالي والشيع والأحلاف، ويبذلون ما في أيديهم للأوغاد والأوشاب؛ فيعصوصب كل لصاحبه ويتعيّن الغلب لبعضهم، فيعطف على أكفائه ليقص من أعنّتهم ويتتبعهم بالقتل أو التغريب حتى يخضد منهم الشوكات النافذة، ويقلم الأظفار الخادشة، ويستبدّ بمصره أجمع. ويرى أنه قد استحدث ملكا يورثه عقبه، فيحدث في ذلك الملك الأصغر ما يحدث في الملك الأعظم من عوارض الجدّة والهرم.
(مقد 2، 897، 12)
-في أحوال الموالي والمصطنعين في الدول: اعلم أنّ المصطنعين في الدول يتفاوتون في الالتحام بصاحب الدولة بتفاوت قديمهم وحديثهم في الالتحام بصاحبها، والسبب في ذلك أنّ المقصود في العصبيّة من المدافعة والمغالبة إنّما يتم بالنسب، لأجل التنصر في ذوي الأرحام والقربى، والتخاذل في الأجانب والبعداء كما قدمناه. والولاية والمخالطة بالرقّ أو بالحلف تتنزّل منزلة ذلك؛ لأنّ أمر النسب وإن كان طبيعيّا فإنّما هو وهميّ، والمعنى الذي كان به الالتحام إنّما هو العشرة والمدافعة وطول الممارسة والصحبة بالمربى والرضاع وسائر أحوال الموت والحياة. وإذا حصل الالتحام بذلك جاءت النعرة والتناصر، وهذا مشاهد بين الناس.
واعتبر مثله في الاصطناع؛ فإنّه يحدث بين المصطنع ومن اصطنعه نسبة خاصّة من الوصلة تتنزّل هذه المنزلة وتؤكّد اللحمة؛ وإن لم يكن نسب فثمرات النسب موجودة. (مقد 2، 568، 19)