فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 1207

-كان المهاجرون يستعيذون باللّه من التعرّب وهو سكنى البادية حيث لا تجب الهجرة.

وقال صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث سعد بن أبي وقاص عند مرضه بمكة: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردّهم على أعقابهم» (صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب قول النبي صلى اللّه عليه اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ومرثيته لمن مات بمكة، ح 424، 5/ 172 - 173) ؛ ومعناه أن يوفقهم لملازمة المدينة وعدم التحوّل عنها، فلا يرجعوا عن هجرتهم التي ابتدءوا بها، وهو من باب الرجوع على العقب في السعي إلى وجه من الوجوه. وقيل إن ذلك كان خاصّا بما قبل الفتح حين كانت الحاجة داعية إلى الهجرة لقلّة المسلمين؛ وأمّا بعد الفتح وحين كثر المسلمون واعتزّوا وتكفّل اللّه لنبيّه بالعصمة من الناس فإنّ الهجرة ساقطة حينئذ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم «لا هجرة بعد الفتح» (الطبراني، المعجم الكبير، ح 3390، 3/ 273) . وقيل سقط إنشاؤها عمّن يسلم بعد الفتح. وقيل سقط وجوبها عمن أسلم وهاجر قبل الفتح. والكل مجمعون على أنّها بعد الوفاة ساقطة؛ لأنّ الصحابة افترقوا من يومئذ في الآفاق وانتشروا ولم يبق إلا فضل السكنى بالمدينة وهو هجرة.

(مقد 2، 475، 23)

-اعلم أنّ أوّل ما يقع من آثار الهرم في الدولة انقسامها. وذلك أنّ الملك عند ما يستفحل ويبلغ من أحوال الترف والنعيم إلى غايتها، ويستبدّ صاحب الدولة بالمجد وينفرد به، يأنف حينئذ عن المشاركة، ويصير إلى قطع أسبابها ما استطاع، بإهلاك من استراب به من ذوي قرابته المرشحين لمنصبه. فربما ارتاب المساهمون له في ذلك بأنفسهم، ونزعوا إلى القاصية، (و اجتمع) إليهم من يلحق بهم في مثل حالهم من الاغترار والاسترابة. ويكون نطاق الدولة قد أخذ في التضايق ورجع عن القاصية. فيستبد ذلك النازع من القرابة فيها. ولا يزال أمره يعظم بتراجع نطاق الدول، حتى يقاسم الدولة أو يكاد. وانظر ذلك في الدولة الإسلاميّة العربيّة حين كان أمرها حريزا مجتمعا، ونطاقها ممتدا في الاتّساع، وعصبيّة بني عبد مناف واحدة غالبة على سائر مضر، فلم ينبض عرق من الخلاف سائر أيامها؛ إلّا ما كان من بدعة الخوارج المستميتين في شأن بدعتهم، لم يكن ذلك لنزعة ملك ولا رئاسة، ولم يتمّ أمرهم لمزاحمتهم العصبيّة القويّة. ثمّ لما خرج الأمر من بني أميّة، واستقلّ بنو العباس بالأمر، وكانت الدولة العربيّة قد بلغت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت