الغاية من الغلب والترف، وآذنت بالتقلّص عن القاصية، نزع عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس، قاصية دولة الإسلام، فاستحدث بها ملكا، واقتطعها عن دولتهم، وصيّر الدولة دولتين. (مقد 2، 751، 13)
-شأن كل دولة لا بدّ وأن يعرض فيها عوارض الهرم بالترف والدعة، وتقلّص ظل الغلب، فيقتسم أعياصها أو من يغلب من رجال دولتها الأمر، وتتعدّد فيها الدول. (مقد 2، 754، 4)
-إنّ الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع: ...
وإذا كان الهرم طبيعيّا في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعيّة، كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني: والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها؛ لما أنّه طبيعي، والأمور الطبيعية لا تتبدّل. وقد يتنبه كثير من أهل الدول ممن له يقظة في السياسة، فيرى ما نزل بدولتهم من عوارض الهرم، ويظنّ أنّه ممكن الارتفاع، فيأخذ نفسه بتلافي الدولة، وإصلاح مزاجها عن ذلك الهرم، ويحسبه أنّه لحقها بتقصير من قبله من أهل الدولة وغفلتهم؛ وليس كذلك، فإنّها أمور طبيعيّة للدولة، والعوائد هي المانعة له من تلافيها. والعوائد منزلة طبيعية أخرى؛ فإن من أدرك مثلا أباه وأكثر أهل بيته يلبسون الحرير والديباج، ويتحلّون بالذهب في السلاح والمراكب، ويحتجبون عن الناس في المجالس والصلوات، فلا يمكنه مخالفة سلفه في ذلك إلى الخشونة في اللباس والزي والاختلاط بالناس؛ إذ العوائد حينئذ تمنعه وتقبح عليه مرتكبه.
ولو فعله لرمي بالجنون والوسواس في الخروج عن العوائد دفعة، وخشي عليه عائدة ذلك وعاقبته في سلطانه. وانظر شأن الأنبياء في إنكار العوائد ومخالفتها، لو لا التأييد الإلهي والنصر السماوي. وربما تكون العصبيّة قد ذهبت فتكون الأبّهة تعوض عن موقعها من النفوس. فإذا أزيلت تلك الأبّهة مع ضعف العصبيّة تجاسرت الرعايا على الدولة بذهاب أوهام الأبّهة. فتتذرّع الدولة بتلك الأبّهة ما أمكنها حتى ينقضي الأمر. وربما يحدث عند آخر الدولة قوة توهم أن الهرم قد ارتفع عنها ويومض ذبالها إيماضة الخمود، كما يقع في الذّبال المشتعل فإنّه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة توهم أنها اشتعال، وهي انطفاء فاعتبر ذلك. (مقد 2، 754، 7)
-إذا أخذت الدولة المستقرّة في الهرم والانتقاص يكون على نوعين: إما بأن يستبدّ ولاة الأعمال في الدولة بالقاصية عند ما يتقلّص ظلّها عنهم، فتكون لكل واحد منهم دولة يستجدّها لقومه وما يستقرّ في نصابه، يرثه عنه أبناؤه أو مواليه، ويستفحل لهم الملك بالتدريج، وربما يزدحمون على ذلك الملك ويتقارعون عليه، ويتنازعون في الاستئثار به، ويغلب منهم من يكون له فضل قوة على صاحبه، وينتزع ما في يده؛ كما وقع في دولة بني العباس حين أخذت دولتهم في الهرم، وتقلّص ظلّها عن القاصية، واستبدّ بنو